أنجانا أهوجا

خلال صيف عام 1849 يقال إن النمسا أطلقت نحو 200 بالون محمّل بالمتفجرات باتجاه جمهورية البندقية الانفصالية، وقد فشل بعضها في إسقاط حمولته القاتلة، فيما انحرف الكثير منها عن مساره، ومع ذلك استسلمت البندقية بعد ما يوصف غالباً بأنه أول هجوم بأجسام مسيرة في العالم.

بعد أكثر من 175 عاماً بدأت الطائرات المسيرة تغيّر مسار الحروب، وآخرها ما نراه الآن في الصراع الروسي-الأوكراني، كما أن الطائرات المسيرة باتت تسبب اضطرابات أوسع نطاقاً.

فقد أبلغت بولندا والدنمارك وهولندا وبلجيكا عن توغلات للمسيرات في مجالها الجوي في وقت سابق من العام. تعد روسيا المشتبه به الرئيسي، لكن الكرملين ينفي تورطه.

ويجري حالياً في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الآن تداول احتمالية بناء «جدار طائرات مسيرة»، لكن لم يقدم سوى القليل من التوضيحات حول ماهيته وكيفية عمله.

وسيقوم الجدار، الذي قد لا يكون متيناً، على شبكة من التقنيات القائمة -من رادارات، وأجهزة استشعار صوتية وأشعة تحت الحمراء، وأجهزة تشويش لاسلكية، وطائرات مضادة للطائرات المسيرة، ومدافع ليزر- لتعزيز الأمن بسماء أوروبا.

وتتراوح أنواع الطائرات بدون طيار بين أجهزة بحجم حشرة تحلق فوق ارتفاع الرأس، إلى طائرات استطلاع عسكرية بحجم طائرة نفاثة تحلق على ارتفاع عدة كيلو مترات.

ويمكن توجيهها عن بعد، بواسطة البشر أو التنقل بشكل ذاتي، ويمكنها إسقاط القنابل، أو الاصطدام بالأهداف، أو جمع المعلومات الاستخبارية، ومجرد وجودها قد يؤدي إلى إغلاق المطارات والمواقع الحساسة، ما يلحق ضرراً اقتصادياً، ويضعف الثقة بين العامة.

في الوقت نفسه، يعد «جدار الطائرات بدون طيار» نظاماً دفاعياً يتألف من مجموعة متنوعة من التقنيات، التي يمكنها اكتشافها وتتبعها ومواجهتها. ويستطيع الرادار رصد الطائرات بدون طيار على ارتفاعات متوسطة إلى عالية في سماء صافية.

لكنه يواجه صعوبة في رصدها على ارتفاعات تقل عن 50 متراً تقريباً، وفقاً لـ«ويسي جوو»، الباحث في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، الذي يرأس مركز الاستقلالية المضمونة والمتصلة في جامعة كرانفيلد بالمملكة المتحدة، والذي يعمل مع شركات مثل ساب، وذلك لأن الطيور والأشجار والمباني تشكل فوضى جوية منخفضة.

وتستطيع الكاميرات عالية الدقة وأجهزة الاستشعار الصوتية رؤية وسماع الطائرات بدون طيار ضمن نطاق 5 كيلو مترات، مع إمكانية اكتشاف إشارات الراديو أيضاً. والمطارات مجهزة لرصدها، لكن تركيب أجهزة كشف مماثلة على طول الجناح الشرقي الشاسع لأوروبا سيكون مكلفاً للغاية.

ويقول جوو: «هناك الكثير من النقاط التي يبلغ طولها 5 كيلو مترات على الحدود الأوروبية، لذا ستضطر لشراء الكثير من أجهزة الاستشعار الخاصة».

وستظل هذه الشبكة قابلة للاختراق، ويمكن التحكم في أسراب الطائرات بدون طيار، التي تحلق في دولة واحدة، باستخدام شبكات ستارلينك و5 جي، بواسطة مشغل بشري واحد موجود في الخارج، قادر على إصدار أوامر آنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتغيير الاستراتيجية خلال الطريق، كما أن جدار الطائرات بدون طيار، الذي يركز على التهديدات الخارجية يخاطر أيضاً بتفويت العمليات السرية من الداخل، لكن أوروبا تمتلك ورقة رابحة:

خبرة أوكرانيا التي اكتسبتها في ظروف شديدة الصعوبة، من خلال التعامل مع التوغلات الروسية، والتي تم الاعتراف بها في «تحالف الطائرات بدون طيار» بقيمة 6 مليارات يورو بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا – فيما يتواصل سباق التسلح.

ويمكن للتقييم الدقيق للتهديدات أن يساعد، ويشير جوو إلى أسراب الطائرات بدون طيار تطلق في الأغلب من القواعد الجوية، لذا فإن تصنيف المخاطر يتضمن إعطاء الأولوية لزوايا معينة من الاقتراب وممرات الطيران إلى مواقع ذات أهمية استراتيجية، كما يمكن لمسارات الطيران أن تكشف عن معلومات مفيدة.

ويقول جوو: «إذا رأيت طائرة بدون طيار تحلق للحفاظ على الوقود، فمن المحتمل أنها موجودة لتشتيت انتباهك»، «ولكن إذا كانت تتأخر في الخلفية وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة فمن المحتمل أن يكون ذلك أكثر خطورة».

من جانبه يقول نبيل عوف، أستاذ الروبوتات في جامعة سيتي سانت جورج، جامعة لندن، والذي يعمل على برامج الطائرات بدون طيار التابعة لحلف شمال الأطلسي، إن تصنيف الطائرات بدون طيار أمر حيوي أيضاً، فقد تشير المركبات الثقيلة إلى وجود أسلحة.

وبعد اكتشافها يجب تتبع الطائرات بدون طيار - وهي مهمة أصعب إذا كانت مطلية بطلاء خفي (يمتص موجات الرادار) أو أوقفت تشغيل المحرك. يمكن للأسراب أيضاً أن تتشتت وتتجدد، ما يؤدي إلى تقسيم الهدف الواحد إلى عدة أهداف وزيادة الارتباك.

وهناك تدابير مضادة: التشويش على إشارات الراديو لإيقاف طائرة بدون طيار مارقة (على الرغم من أن الطائرات بدون طيار التي يتم التحكم فيها بواسطة الألياف الضوئية محصنة)؛ اصطيادها بالشباك؛ أو الاصطدام بها بطائرة مسيرة أثقل وزناً؛ أو إسقاطها.

وقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية هذا الشهر أن سفن المدمرات التابعة للبحرية الملكية ستزود بنظام «دراجون فاير»، وهو نظام ليزر مضاد للطائرات المسيرة، بل إن الشرطة الهولندية والسويسرية حاولت استخدام النسور لسحب الطائرات المسيرة، لكن تقارير أشارت إلى أنها ألغت البرنامج لعدم فعاليته.

ويقول عوف: «إن التحدي الرئيسي لجدار فعال ضد الطائرات المسيرة سيكون قابلية التشغيل البيني، حيث إن الأمر يتطلب التنسيق الشامل عبر الحدود: وذا يعني مشاركة المعايير التقنية، ووجود اتصالات موحدة وآمنة بين الحلفاء والمنصات والأنظمة، وإجراء تدريبات مشتركة».

ويشدد على أن هذا التنسيق هو مسألة سياسية ودبلوماسية، وليس مسألة تقنية. في الواقع قد ينتهي الأمر بالوحدة اللازمة لإنشاء جدار ضد الطائرات المسيرة إلى أن تكون رادعاً بقدر ما يكون الجدار نفسه.