سارة أوكونور
يبدو أن عصر التناقص السكاني العالمي قادم على نحو أسرع مما كنا نعتقد، فوفقاً لأحدث توقعات الأمم المتحدة، هناك احتمالية تصل نسبتها إلى 80% أن يصل عدد سكان الكرة الأرضية إلى ذروته في هذا القرن، ثم يبدأ في التقلص بعد ذلك، مقارنة مع احتمالية لا تزيد نسبتها على 30% قبل عقد من الزمن.
ولواحد من كل أربعة منا، هذا المستقبل حاضر بالفعل، حيث يعيش ربع سكان العالم في دول بلغ عدد سكانها ذروته بالفعل، بما في ذلك الصين وألمانيا واليابان، ومن الآن وحتى عام 2054 تتوقع الأمم المتحدة أن تنضم إليها دول أخرى كثيرة، بما في ذلك البرازيل وفيتنام.
ويتواصل الجدل الواسع حول أسباب إنجاب النساء عدداً أقل من الأطفال، وما إذا كان بالإمكان أو من الواجب اتخاذ أي إجراء حيال ذلك، لكن حقيقة أننا نشهد هذا الاتجاه في العديد من المجتمعات المختلفة، من الدول المتقدمة مثل المملكة المتحدة إلى الدول النامية مثل نيبال.
ومن الدول المحافظة مثل إيران إلى الديمقراطيات الليبرالية مثل فنلندا، تجعل البحث عن تفسيرات أو حلول بسيطة عملية أكثر تعقيداً، وبافتراض أن التوقعات صحيحة، وأن عدد سكان العالم سيبلغ ذروته في منتصف ثمانينيات القرن الحادي والعشرين ليتجاوز 10 مليارات نسمة، ثم يبدأ بالانخفاض ببطء، فكيف سيبدو العالم في ظل انكماش عدد السكان؟
إحدى وجهات النظر ترى أن الوضع سيكون قاتماً، فقلة عدد الأشخاص في سن العمل، الذين يحاولون إعالة عدد كبير ومتزايد من كبار السن تعني نقصاً في المال، ونمواً غير كافٍ، وابتكاراً دون المأمول، وديناميكية ثقافية أقل.
من جانبي فأنا أميل إلى التفاؤل، وأرى أن العمر الزمني لا يعد مقياساً دقيقاً ومفيداً للشيخوخة، لأن ما يعنيه بلوغ سن السبعين، اليوم، ليس ما كان عليه قبل 20 أو 30 عاماً، ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كانت مستويات الصحة العامة للنساء في سن السبعين عام 2017 مماثلة تقريباً لتلك التي كانت لدى من بلغن الستين عام 1981.
وبمرور الوقت يصبح الناس أكثر صحة ونشاطاً اقتصادياً في سن متقدمة، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذا الوضع لن يستمر على هذا المنوال، وتشير الأبحاث الحديثة أيضاً إلى أن قدراتنا المعرفية أكثر مرونة مما كان يعتقد سابقاً، ويمكن للكثيرين الحفاظ على مهاراتهم إذا استمروا في تدريب عقولهم.
وبالنسبة للديناميكية الثقافية فما عليك سوى النظر إلى كوريا الجنوبية: دولة تتقدم في السن بسرعة، ومع ذلك تنتج بدرجة أكبر موسيقى وأفلاماً وأزياء متطورة، يستمتع بها الشباب في جميع أنحاء العالم.
لا يعني ذلك بالمرة أن عالماً يشهد انخفاضاً في عدد السكان لن يواجه مشاكل، وقد تكون بعض هذه المشاكل أكثر حدة من المشاكل التي نواجهها اليوم، مثل عدم الاستدامة المالية لأنظمة المعاشات التقاعدية الحكومية القائمة على الدفع الفوري، كما قد تكون مشاكل أخرى مختلفة تماماً.
وعلى الرغم من أن الكثير من الناس اليوم يخشون أن تحل الروبوتات محل وظائفهم، إلا أنه في مستقبل يشهد انخفاضاً في عدد السكان قد تكمن المشكلة في عدم وجود ما يكفي من الروبوتات.
وكما كتب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن ايه آي»، فإن «الرأي السائد» كان أن «الذكاء الاصطناعي سيؤثر أولاً على العمل البدني، ثم على العمل المعرفي، ثم ربما يوماً ما يمكنه القيام بأعمال إبداعية، لكن منذ اختراع الذكاء الاصطناعي التوليدي يبدو الآن أنه سيسير في الاتجاه المعاكس».
وفي عالم يتقلص فيه عدد السكان، ويتقدم في السن، نفضل بالتأكيد الحفاظ على الوظائف المكتبية، التي تساعد كبار السن على البقاء نشيطين اقتصادياً، ومنتبهين ذهنياً، وأتمتة الوظائف الجسدية الأنسب للشباب واللياقة البدنية. ومن الاهتمامات الشائعة، اليوم، قضية الهجرة.
والتي يمكن أن تبدو مختلفة تماماً في عالم يشهد انخفاضاً في عدد السكان، وإذا صحت توقعات الأمم المتحدة فسيستمر تزايد عدد السكان في بعض البلدان، وكثير منها في أفريقيا، فما يبدأ معظم بقية العالم بالانكماش، فهل من الممكن أن تتنافس دول العالم المتقدم يوماً ما على جذب المهاجرين الشباب بدلاً من محاولة إبعادهم؟
إن مثل هذه الممارسات الاستشرافية للمستقبل هي تكهنات لا مفر منها، لكنها تذكرنا بالاختلاف الكبير لعالم ما بعد «ذروة السكان»، حيث قد تبدو الهواجس والانشغالات التي نعاني منها اليوم غريبة تماماً وربما شاذة على الأجيال الأصغر، التي ستأتي بعدنا.
فقد يجدون صعوبة في فهم سبب سعينا لجعل بلداننا معادية وغير جذابة للغرباء، أو سبب استثمارنا مبالغ طائلة في نماذج لغوية ضخمة لأتمتة المهام المعرفية، بدلاً من تركيز المزيد من الموارد على معالجة الخرف أو أتمتة العمل البدني الشاق.
إن «الماضي بلد غريب.. الأمور فيه مختلفة»، هكذا قال إل بي هارتلي في روايته «الوسيط» الصادرة عام 1953، لطالما كان هذا صحيحاً، وهو ما قد يشعر به أحفادنا وأحفاد أحفادنا عندما ينظرون إلينا وإلى زمننا.