ماري نوفيك ــ رافي الدين ــ إيان سميث
أظهرت الأسواق الأوروبية تراجعاً ملحوظاً مقارنةً بوول ستريت بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات، مما أدّى إلى انخفاض قيمة أسهم المنطقة وهبوط حاد لليورو.
وحققت الأسهم الأمريكية مستويات قياسية جديدة عقب فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية، حيث ارتفعت بنسبة 25% تقريباً منذ بداية العام، فيما شهدت الأسهم الأوروبية تراجعاً ملحوظاً في ظل انشغال المتداولين بتقييم تأثير التعريفات الجمركية المتوقعة والتي تعهد ترامب بفرضها على المصدرين.
ولم يسجل مؤشر ستوكس أوروبا 600 سوى مكاسب طفيفة هذا العام، وتخلف عن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بأكبر هامش مسجل على الإطلاق، حتى بعد عمليات البيع التي شهدتها وول ستريت يوم الجمعة. ووفقاً لمحللي باركليز، فإن هذا يعكس «علاوة ترامب» الواضحة بين سوقي الأسهم.
في الوقت نفسه، تراجع اليورو إلى أدنى مستوى له في عام ليحوم حول 1.05 دولار، مسجلاً أكبر انخفاض له منذ أزمة الطاقة في عام 2022، حيث يتوقع المستثمرون تباطؤ نمو الاقتصاد الأوروبي، مما سيدفع البنك المركزي الأوروبي نحو إجراء تخفيضات أعمق في أسعار الفائدة، في الوقت الذي يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي نمواً.
وفي هذا الصدد، قال كريس تيرنر، رئيس الأسواق العالمية في بنك آي إن جي الهولندي، إن المستثمرين يخشون من أن تكون أوروبا في الخطوط الأمامية للحرب التجارية القادمة.
وأضاف: في ظل غياب التحفيز المالي الأوروبي، يبدو أن الدعم سيأتي من البنك المركزي الأوروبي. وكان البنك ممن توقعوا أن يصل اليورو إلى مستوى التكافؤ مع الدولار، أو يقترب منه بحلول نهاية العام المقبل.
وتتوقع أسواق العقود الآجلة أن ينفذ الاحتياطي الفيدرالي حوالي 3 تخفيضات بكل منها بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول نهاية العام المقبل، استناداً إلى المستويات المضمنة في سوق الأسهم، مقارنة بـ6 تخفيضات متوقعة من البنك المركزي الأوروبي خلال الفترة نفسها.
ويرى المستثمرون أنه على الرغم من صعوبة التنبؤ أي جزئيات من خطاب ترامب الانتخابي ستتحول إلى سياسات فعلية، فإن فترة ولايته الأولى أظهرت أن الحمائية الاقتصادية تمثل له أولوية قصوى. وقال ماركوس هانسن، مدير المحفظة الاستثمارية لدى فونتوبل، إن
«ترامب لا يمزح». وأضاف: تعتزم إدارته بدء فرض التعريفات من اليوم الأول، مما سيضع الشركات الأوروبية «في مرمى النيران».
وهدد الرئيس المنتخب الجمهوري بفرض تعريفات بنسبة 60% على الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، و10% إلى 20% على باقي الشركاء التجاريين، وهو ما يعتقد المحللون أنه سيجعل الشركات المصنعة الأوروبية تواجه ضربة مزدوجة بسبب ارتفاع تكاليف التصدير واحتمال إغراق الصين المنطقة بواردات رخيصة.
في الوقت نفسه، عززت بعض سياسات ترامب المقترحة، مثل خفض الضرائب وإلغاء القيود التنظيمية، من توقعات الشركات الأمريكية. ودفعت هذه الاضطرابات مديري الصناديق إلى اتخاذ قرارات جذرية.
حيث أظهر استطلاع حديث لبنك أوف أمريكا أن نسبة مديري الصناديق الذين زادوا استثماراتهم في الأسهم الأمريكية وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 11 عاماً بعد الانتخابات، في حين ظلت الاستثمارات الأوروبية أقل من المعتاد.
وأشار درو بيتيت، استراتيجي الأسهم الأمريكية في سيتي جروب، إلى أن «المعنويات ضعيفة جداً في أوروبا فيما هي قوية للغاية في الولايات المتحدة حالياً». كما أن المملكة المتحدة لم تكن بمعزل عن ذلك.
حيث خفض محللو «غولدمان ساكس» توقعاتهم للنمو في عام 2025 من 1.6% إلى 1.4%، رغم توقع تأثير «معتدل» للتعريفات على البلاد. وسجل الجنيه الإسترليني أسوأ أسبوع له منذ أوائل العام الماضي، حيث انخفض بأكثر من 2% مقابل صعود الدولار ليصل إلى حوالي 1.26 دولار.
من جانبها، بدأت الأسهم البريطانية في استيعاب الزيادة في الضرائب التجارية التي أقرت في الميزانية التاريخية الشهر الماضي. وأوضح ريتشارد بولاس، مدير صندوق الأسهم في «مارتن كوري»، وهي جزء من «فرانكلين تمبلتون»، أن السوق بدأت في حساب «ما قد يشكل عقبة لنمو الأرباح».
وكان قطاع التصنيع، الذي يعد محركاً مهماً للنمو في اقتصادات مثل ألمانيا، يواجه بالفعل صعوبات. وسلط موهيت كومار، كبير خبراء الاقتصاد الأوروبي في «جيفريز»، الضوء على تراجع الطلب من الصين و«انهيار نموذج الطاقة الرخيصة» في هذه الاقتصادات بسبب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وأضافت التعريفات المزيد من عدم اليقين في جميع أنحاء المنطقة. وتعد الصين ثالث أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، حيث تمثل حوالي 9% من الصادرات، بينما يتم توجيه حوالي خمس الصادرات الأوروبية سنوياً إلى الولايات المتحدة.
من ناحية أخرى، تعاني شركات صناعة السيارات الأوروبية، مثل فولكس فاغن ومرسيدس إلى جانب مجموعات السلع الفاخرة مثل «إل في إم إتش» من ضعف الطلب الصيني، وستكون عرضة بشكل خاص لتأثيرات التعريفات الجمركية بين الولايات المتحدة والصين.
كما تضررت شركات طاقة الرياح، مثل أورستد وفيستاس، بشدة من تعهد ترامب بإلغاء مشاريع الطاقة المتجددة.
وكانت المؤشرات الأوروبية والأمريكية متقاربة قبل عام 2009، لكنها بدأت في التباعد بعد الأزمة المالية. ويرجع ذلك إلى نمو أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة.
والتي حققت تقييمات أعلى. بينما فشلت البورصات الأوروبية، التي لا تزال تهيمن عليها قطاعات قديمة، مثل البنوك والطاقة والصناعات، في مواكبة التطور.
وحذرت كارين وارد، كبيرة استراتيجيي السوق لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في «جي بي مورغان لإدارة الأصول»، من أن تزايد الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا في الأسابيع القليلة الماضية يعكس اتجاهاً تاريخياً. وقالت: «إن فوز ترامب فاقم مشكلة كانت موجودة بالفعل».