آلان بيتي

عقود من المعاناة.. فائض الإنتاج والسياسات الحمائية يرهقان القطاع منذ زمن طويل

الفولاذ مرة أخرى، ودائماً كان الفولاذ، هو السبب المباشر لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمضاعفة التعريفات الجمركية على الصلب والألمنيوم يوم الأربعاء الماضي إلى 50% .

وهي إحدى الزيادات القليلة في الرسوم الحمائية التي لم يتراجع عنها ترامب مؤخراً، ويعود ذلك على الأرجح إلى غضبه الشديد من حكم المحكمة الفيدرالية الصادر الأسبوع الماضي ضد ما يعرف، خطأ، بالرسوم الجمركية «المتبادلة» الأوسع نطاقاً. ولكن من المألوف جداً في الولايات المتحدة، والعديد من الحكومات، أن تحمي هذا القطاع من الواردات، إلى درجة أن تعريفات الصلب هي سلاح طبيعي يمكن اللجوء إليه للإشارة إلى التحدي التجاري.

وقدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مبررات وتحذيرات من تفاقم فائض الإنتاج العالمي للفولاذ بفعل الدعم الحكومي الصيني. في المقابل مارست الولايات المتحدة مستويات عالية من الحمائية وأظهرت سوء نية تجاه هذه الصناعة، إلى حد يجعلها، سواء في عهد ترامب أو غيره، طرفاً لا يستطيع إصلاح هذا القطاع.

والفولاذ منتج معروف بإدمانه للإعانات والحماية التجارية، وهو إدمان يصعب التخلص منه لأسباب معروفة جيداً، فإنتاج الفولاذ يتمتع بوفورات حجم هائلة تخلق حواجز دخول مرتفعة، كما أنه ضروري لصناعة الدبابات والطائرات المقاتلة، فضلاً عن السكك الحديدية والجسور، ناهيك عن أن مصانع الصلب غالباً ما تتركز في مدن أحادية الصناعة حيث يكون لإغلاق المصانع تداعيات سياسية فورية وملموسة. وفي الولايات المتحدة تحديداً، تتمركز العديد من أكبر منشآت الأفران العالية في ولايات متأرجحة سياسياً، وتوظف عمالاً ينتمون إلى نقابات ذات نفوذ وعلاقات قوية.

وتتغلب هذه العوامل على حقيقة أن ارتفاع أسعار الفولاذ، كمدخل صناعي أساسي، يلحق أضراراً واسعة بالقطاع التصنيعي برمته، إذ تقابل كل وظيفة في إنتاج الفولاذ نحو 80 وظيفة في الصناعات التحويلية اللاحقة.

أما الجهود الأوسع نطاقاً لتعزيز سوق دولية حرة غير مشوهة، فقد باءت بالفشل بشكل عام، إذ أسست منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لجنة خاصة بالفولاذ عام 1978 لتمكين الحكومات الأعضاء من دراسة قضية فائض الطاقة الإنتاجية العالمية، خاصة مع صعود اليابان كمنتج رئيسي.

رغم ذلك أنهت اللجنة اجتماعها السابع والتسعين في أبريل دون التوصل إلى حل دائم حتى الآن. وعلى المنوال نفسه، لم يحقق «المنتدى العالمي» رفيع المستوى لمجموعة العشرين للاقتصادات الرائدة بشأن فائض طاقة الفولاذ شيئاً يذكر.

وهناك الكثير من الحمائية للفولاذ، فعندما أعلن الاتحاد الأوروبي خططاً لتعزيز دفاعاته ومرونته الاقتصادية، سارعت صناعة الفولاذ الألمانية للمطالبة بدعم حكومي جديد. أما صناعة الفولاذ الأمريكية، فقد أثبتت براعتها وابتكارها طوال العقود الماضية، خاصة في استخدام «آليات الإنصاف التجاري»، مثل رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية على الواردات.

وليس من المبالغة القول إن العداء الأمريكي لمنظمة التجارة العالمية، في جزء كبير منه، يرجع إلى إصدار نظام تسوية المنازعات التابع لها أحكاماً متكررة ضد استخدام منهجية «التصفير» في احتساب رسوم الإغراق، وهي أداة تعتمد عليها صناعة الفولاذ الأمريكية بكثرة.

أما الرسوم الجمركية التي ضاعفها ترامب مؤخراً، فقد فرضت في الأصل خلال ولايته الأولى استناداً إلى البند القانوني المعروف باسم «القسم 232»، وهو إجراء يستلزم من الإدارة أن تثبت، أو على الأقل أن تدعي، وجود ضرورة تتعلق بالأمن القومي، وهي حجة لا تصمد أمام الاختبار المنطقي رغم نجاتها حتى الآن من الطعون القانونية المحلية. وقد أبقت إدارة الرئيس السابق جو بايدن على هذه الرسوم، رغم تعليقها مع الاتحاد الأوروبي وشركاء تجاريين آخرين في انتظار مفاوضات لم تصل أبداً إلى نهاية حاسمة.

ورغم أن إدارة بايدن قد تكون أقل تدميراً للنظام التجاري العالمي من سابقتها، إلا أنها اتسمت أيضاً بقدر كبير من المراوغة والخداع، فقد حاول بايدن، دون جدوى، استخدام التعريفات الجمركية كورقة ضغط لإجبار الاتحاد الأوروبي على الدخول في ما أطلق عليه «ترتيبا عالمياً للفولاذ والألمنيوم المستدامين»، والذي يهدف في جوهره إلى تشكيل تحالف ضد الصين، وهي خطة نظرت إليها بروكسل باعتبارها سياسة حمائية تقليدية لصناعة الفولاذ في ثوب جديد.

وتخلق التعريفات الجديدة التي فرضها ترامب المزيد من إمكانات التشويه والابتزاز في المشهد التجاري العالمي، فقد ألغى ترامب تعليق رسوم الفولاذ البالغة 25% بعد بداية ولايته الثانية، وفي الشهر الماضي منح المملكة المتحدة إعفاء خاصاً.

وهذه الثغرة القانونية، التي لم تدخل حيز التنفيذ بعد، أثارت موجة من الابتهاج في بريطانيا، لكن مع غياب ملحوظ للتفاصيل حول ما قدمته لندن في المقابل، باستثناء بعض الحصص الاستيرادية على لحوم البقر والإيثانول الحيوي.

وللإنصاف، تمتلك المملكة المتحدة مبررات وجيهة للتدخل والحفاظ على إنتاج الفولاذ مقارنة بالولايات المتحدة التي صرحت وزارة دفاعها أنها لا تحتاج إلى «القسم 232» للمحافظة على القدرات الإنتاجية المحلية لأسباب استراتيجية.

بينما تقلصت صناعة الفولاذ البريطانية إلى مصنع واحد للأفران العالية ينتج الفولاذ من خام الحديد، على عكس المنشآت الأصغر التي تكتفي بإعادة تدوير الخردة المعدنية عبر الصهر. ورغم أن الإبقاء على مصنع سكنثورب مفتوحاً لأجل غير مسمى قد لا يمثل خياراً اقتصادياً مستداماً، إلا أن هناك قضية أمنية حقيقية تستحق النقاش.

هذا الوضع الهش يجعل المملكة المتحدة أكثر عرضة للضغوط من جانب ترامب، فالاستثناءات الجمركية التي تم التفاوض بشأنها في صفقة الشهر الماضي، ولم تدخل حيز التنفيذ بعد، جاءت مشروطة بتنسيق المواقف البريطانية مع الموقف الأمريكي فيما يتعلق بأمن سلاسل التوريد لقطاعي الفولاذ والألمنيوم، وهو شرط يستهدف الصين بوضوح. ومن غير الواضح كيف ستستغل إدارة ترامب هذه الورقة الضاغطة في ظل الجولة الجديدة من الرسوم الجمركية.

محلياً، يعد فرض رسوم جمركية على الفولاذ إجراء سهلاً نسبياً ويحظى بشعبية، كما أن حساسية هذا القرار في السياسية الخارجية تدفع الشركاء التجاريين سريعاً إلى طاولة المفاوضات. ورغم أن الأساليب التجارية التي يتبناها ترامب فريدة في تخبطها وسوئها، وحقيقة أنها متقلبة بشكل روتيني في سياسات حماية الفولاذ ليست مفاجئة على الإطلاق.