مارتن وولف

في أبريل من العام الجاري، تم نشر مقال لي نتاج «تزييف عميق» على «إنستغرام»؛ إحدى منصات «ميتا»، ولفت زميل سابق انتباهي إلى الأمر، فقد قدم مارتن وولف المزيف نصيحة استثمارية، لم أكن لأقدم مثلها أبداً، وقد أقنعت «فاينانشال تايمز» شركة «ميتا» بحذف المقال، لكنه سرعان ما عاد للظهور، وكنا وكأننا نلعب لعبة «اضرب الخلد» مع المحتالين.

وبعد عناء تم تسجيلي في نظام جديد لـ«ميتا» يستخدم تقنية التعرف على الوجه لمكافحة مثل هذه الاحتيالات، وقد نجح الأمر بالفعل، فقد اختفت التزييفات العميقة، لكن استنتاجي الأهم كان هو أن «ميتا» قادرة على إيقاف مثل هذا التزييف العميق إذا قررت ذلك

لكن للأسف يتواصل انتشار ذلك على نطاق واسع، وقد أخبرني زميل أن هناك ما لا يقل عن ثلاثة مقاطع فيديو مختلفة للتزييف العميق وصوراً متعددة معدلة ببرنامج فوتوشوب تعرض على أكثر من 1700 إعلان مع اختلافات طفيفة عبر فيسبوك وإنستغرام.

وأظهرت بيانات مكتبة إعلانات «ميتا» أن هذه الإعلانات وصلت إلى أكثر من 970,000 مستخدم في الاتحاد الأوروبي وحده، حيث تلزم اللوائح المنصات بالإبلاغ عن هذه الأرقام، عالمياً لا بد أن عدد الأشخاص الذين تعرضوا للإعلانات كان أضعاف هذا الرقم.

وقد مر كثيرون ممن أعرفهم بالتجربة نفسها. في وقت سابق من هذا الشهر حذر بيان من بيركشاير هاثاواي الناس من الانخداع بمقاطع فيديو تدعي أنها لوارين بافيت نفسه، والتي نشرت على يوتيوب. وأضاف البيان أن «السيد بافيت قلق من أن هذه الأنواع من مقاطع الفيديو الاحتيالية أصبحت فيروساً ينتشر بسرعة».

ويكشف تقريران حديثان عن حجم ما يحدث، أحدهما، لجيف هورويتز من رويترز، وقد تم نشره تحت عنوان «الوثائق تظهر أن «ميتا» تجني ثروة طائلة من سيل الإعلانات الاحتيالية».

وجاء في هذا التقرير أن «ميتا توقعت في أواخر العام الماضي أنها ستربح حوالي 10% من إجمالي إيراداتها السنوية - أو 16 مليار دولار - من نشر إعلانات عن عمليات احتيال وسلع محظورة، وفقاً لوثائق داخلية للشركة».

وأضاف التقرير: «تظهر مجموعة من الوثائق غير المنشورة سابقاً، والتي راجعتها رويترز، أن شركة التواصل الاجتماعي العملاقة فشلت لمدة ثلاث سنوات على الأقل في تحديد وإيقاف سيل من الإعلانات، التي عرضت مليارات مستخدمي فيسبوك وإنستغرام وواتساب لمخططات احتيالية في مجالات التجارة الإلكترونية والاستثمار».

ويشير التقرير إلى أن «معظم عمليات الاحتيال جاءت من مسوقين يتصرفون بشكل مثير للريبة بما يكفي لضرورة لف انتباههم من جانب أنظمة التحذير الداخلية في ميتا»، ومع ذلك تظهر الأدلة أن الشركة لا تحظر المعلنين إلا إذا توقعت أنظمتها أن المسوقين متأكدون بنسبة 95% على الأقل من ارتكابهم عمليات احتيال، لكن ماذا يحدث إذا كان الاحتمال أقل؟ وفقاً لرويترز، «تفرض ميتا أسعاراً أعلى للإعلانات».

يعني ذلك أن هناك نظاماً مصمماً لزيادة ربحية نشر الإعلانات التي يحتمل أن تكون احتيالية، والأسوأ من ذلك كله أن خوارزميات ميتا تضمن أن الأشخاص الذين ينقرون على إعلانات الاحتيال من المرجح أن يشاهدوا المزيد منها، ويستند تقرير «رويترز» إلى وثائق من داخل ميتا بين عامي 2021 و2025، ونقلت «رويترز» عن المتحدث باسم ميتا، آندي ستون، قوله إن الوثائق «تقدم رؤية انتقائية تُشوه نهج ميتا تجاه عمليات الاحتيال والنصب التي نكافحها بشراسة».

ربما يكون الأمر كذلك، لكن من واقع خبرتنا فإن «ميتا» لم تتحرك بجدية بفعالية إلا بعد تلقيها العديد من الشكاوى من فاينانشال تايمز، وهذا يدعم فرضية قدرتها على التحرك، لكنها ليست في عجلة من أمرها، وكما أشارت رويترز أيضاً:

«قدر عرض تقديمي قدمه فريق السلامة في ميتا في مايو 2025 أن منصات الشركة كانت مرتبطة بطريقة أو بأخرى في ثلث عمليات الاحتيال الناجحة في الولايات المتحدة».

إن هذا «الفيروس»، كما يطلق عليه وارين بافيت بحق، لا يلحق الضرر بمن يثقون بالإعلانات الاحتيالية فحسب، بل يلحق الضرر أيضاً بجوانب العرض في هذا المجال.

ففي أكتوبر نشرت الحكومة البريطانية وثيقة تُيد بأن «مراكز الاحتيال في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا تستخدم أساليب معقدة، تشمل عمليات احتيال تغري الناس بعلاقات رومانسية زائفة، للاحتيال على الضحايا على نطاق واسع، بما في ذلك في المملكة المتحدة، وغالباً ما يكون منفذو عمليات الاحتيال من الأجانب الذين يجبرون على ممارسة الاحتيال عبر الإنترنت تحت تهديد التعذيب».

وفي بداية نوفمبر الجاري تم نشر تقرير بقلم سرينيفاسان راماني في صحيفة «ذا هندو» تحت عنوان «كيف تعمل مراكز الاحتيال في جنوب شرق آسيا؟»، روت كيف نجح حوالي 500 هندي في الهروب من «مركز الجرائم الإلكترونية في كيه كيه بارك في بلدة مياوادي، بالقرب من الحدود التايلاندية في جنوب شرق ميانمار»، وقد استولى المجلس العسكري في ميانمار مؤخراً على هذا المركز.

وأوضح التقرير المنشور أن «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية» تقول إن هذه المرافق هي مجمعات صناعية أشبه بالسجون، حيث تتم المتاجرة بالآلاف ويُجبرون على ارتكاب جرائم إلكترونية.

وينشر المتاجرون إعلانات وظائف وهمية لوظائف عالية الأجر في مجال تكنولوجيا المعلومات والتسويق، ثم يجري نقل الضحايا من الهند والصين وفيتنام والفلبين وأفريقيا وأمريكا اللاتينية جواً إلى مراكز إقليمية مثل بانكوك، ليتم بعد ذلك تهريبهم براً ويجبرون على عبور الحدود إلى ميانمار أو كمبوديا، وبمجرد دخولهم المجمعات المحاطة بجدران عالية وحراس مسلحين، تصادر جوازات سفر الضحايا، ويقال لهم إنهم قد «بيعوا».

ويجب عليهم العمل لسداد «ديونهم»، ويتحملون 12 ساعة عمل يومياً في عمليات احتيال عبر الإنترنت، ومن يرفضون يواجهون التعذيب - الضرب والصدمات الكهربائية والتجويع والحبس الانفرادي.

مثل هذه الأنشطة لها أعداد هائلة من الضحايا من كلا الطرفين، ووفي الوسط بين الطرفين هناك شركات تواصل اجتماعي قوية تحصد أرباحاً عالية للغاية.

وتدعي ميتا أنها تبذل قصارى جهدها للحد من هذه الآفة، لكن هذا غير صحيح، حيث يمكنها، على سبيل المثال، إلغاء جميع الإعلانات التي لا يمكن إثبات شرعيتها بدرجة عالية جداً.

هذا ما يتوقعه المرء من أي ناشر، لكن منصات التواصل الاجتماعي مختلفة، فقد أصبح من المستحيل تحميلها مسؤولية المحتوى الذي يظهر على المواقع، لأن ذلك، كما تزعم، سيكون بمثابة «رقابة».

وهكذا، فإن ميتا وغيرها من المنصات المماثلة تعتبر فعلياً شركاء في الاحتيال، ولا تقتصر تكاليف هذا على المخدوعين والمكرهين فحسب، بل تشمل أيضاً الإضرار بالثقة، فالانتشار الواسع لما سيصبح بالتأكيد مزيفاً على نحو أكثر إقناعاً يدمر النظام المالي.

والحل واضح يجب السماح للناس بمقاضاة المنصات، للمطالبة بتعويض كامل عن الخسائر، التي يتكبدونها نتيجة خداعهم بالإعلانات الاحتيالية التي تنشرها، وبمجرد السماح بذلك ستختفي هذه الإعلانات بالتأكيد، والاحتيال جريمة، ويجب حتماً وقف التربح من الاحتيال.