كريس جايلز

شهدت الأيام الماضية رسائل غير معتادة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، الذين بدا أنهم يستمتعون بالحماية التي وفّرتها لهم المحكمة العليا الأمريكية، والتي تنصّ على أنهم «لا يمكن فصلهم من مناصبهم». 

في المقابل، لا يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتاح بالمرة لهذا الوضع الجديد.

فقد استدعى رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، إلى اجتماع في البيت الأبيض، أبلغه خلاله بأن الاحتياطي الفيدرالي «يرتكب خطأً بعدم خفض معدلات الفائدة»، وأن ذلك «يضع الولايات المتحدة في موقع اقتصادي أضعف، مقارنةً بالصين ودول أخرى».

اللافت أن هذا اللقاء لم يُكشف عنه من خلال تغريدة نصر تقليدية من ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، بل عبر تعليق أدلت به السكرتيرة الصحافية كارولين ليفيت، التي لم تُشكك في الرواية التي نشرها الفيدرالي على موقعه الرسمي.

وقد أظهرت هذه الرواية أن باول أنصت للرئيس، لكنه لم يستجب لضغوطه.

ولنبين حجم الصدام، يجدر بنا أن ننقل نص البيان الصادر عن الفيدرالي كاملاً: «بدعوة من الرئيس، التقى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، مع الرئيس في البيت الأبيض، لمناقشة التطورات الاقتصادية، بما في ذلك النمو والتوظيف والتضخم.. ولم يتطرق باول إلى توقعاته بشأن السياسة النقدية، باستثناء تأكيده أن مسار السياسة سيتوقف كلياً على المعلومات الاقتصادية الواردة، وما تعنيه للتوقعات المستقبلية.. وأخيراً، شدد باول على أنه، إلى جانب زملائه في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، سيضعون السياسة النقدية –كما يقتضي القانون– لدعم أقصى درجات التوظيف، واستقرار الأسعار، وأن هذه القرارات ستُتخذ استناداً إلى تحليل دقيق وموضوعي وغير سياسي».

مسؤول آخر في الفيدرالي عبّر عن رأي لا يخلو من انتقاد لسياسات ترامب، وهو أوستان غولسبي رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، وهو عضو مصوت في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة.

فخلال مقابلة له في مؤتمر ماكيناك للسياسات، التزم هو الآخر بالنهج الصارم للفيدرالي، مؤكداً أن التفويض المزدوج، هو ما يحكم كل قرار يتخذه المجلس.

وقال: «إذا كان هناك ما يؤثر في الأسعار أو على التوظيف، فعلينا التفكير فيه».

لكن إصرار ترامب على المطالبة بخفض معدلات الفائدة، لا يجتاز هذا الاختبار، على حد تعبير غولسبي، مضيفاً أن منشورات الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي «أقرب ما تكون إلى تعبير عن رغبة، لا عن سياسة».

ويشتهر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، بحبه لاستخدام استعارات مستمدة من الحياة اليومية في الغرب الأوسط الأمريكي.

ومن استعاراته المفضلة، ما يستخدمه لتوضيح السبب الذي يمنع مسؤولي الفيدرالي من التذمر من الظروف المحيطة بهم، ويقول في هذا السياق: «لا يوجد طقس سيئ، بل ملابس سيئة.. لذلك، أخبرني ما هي الظروف، وسأخبرك ما الذي عليك أن ترتديه».

لكن بالنسبة لمن لا يُحسنون الظن، فإن ما قاله غولسبي بعد ذلك، بدا شبيهاً بالتذمر من الأوضاع الاقتصادية.

فقد أشار إلى أنه استعان مؤخراً بمدربة شخصية، بهدف استعادة «عضلات البطن».

وقال إنها أخبرته بأن «لدى الجميع عضلات مخفية تحت الجلد، وكل ما على الجميع فعله، هو إزالة كل الدهون عنها لتظهر».

وأضاف غولسبي: «أشعر بأن الأمر شبيه بذلك، عندما يتعلق بالاقتصاد.. وإذا استطعنا إزالة هذه الدهون والترهلات، فسنجد عضلات قوية تحتها».

ولم يكن هناك أدنى شك في سياق الحديث، أن الدهون التي تحدث عنها، كانت إشارة مباشرة إلى الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. وماذا لو أزيلت هذه الرسوم؟ كان غولسبي أكثر وضوحاً في إجابته.

فقد قال إنه في غياب الرسوم الجمركية، تتمتع الولايات المتحدة بمستوى منخفض ومستقر لمعدلات البطالة، مع تضخم يتجه للعودة إلى الهدف البالغ 2 %.

وتابع: «إذا كان لدينا توظيف كامل مستقر، وتضخم في طريقه للعودة إلى الهدف، فيمكننا خفض معدلات الفائدة إلى حيث يُفترض أن تستقر في النهاية»، وهو مستوى «أدنى بكثير من المعدلات الحالية».

وتُظهر البيانات أنه قبل بدء التأثيرات الرئيسة للتعريفات الجمركية، لم يكن هناك شك كبير في أن التضخم - وفقاً لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي في شهر أبريل - كان معتدلاً.

والصوت المعارض الوحيد لموجة الانتقادات الموجهة للرسوم الجمركية داخل لجنة السوق المفتوحة مؤخراً، كان محافظ الفيدرالي كريستوفر والر، الذي يُنظر إليه باعتباره مرشحاً محتملاً لخلافة باول في رئاسة الفيدرالي.

ففي كلمة ألقاها مطلع الأسبوع في كوريا، قال والر مجدداً، إنه يتوقع أن يكون أي تضخم ناتج عن الرسوم «مؤقتاً»، وطرح احتمال خفض معدلات الفائدة، بدافع ما وصفه بـ «الأخبار الجيدة».

وقد بدا والر أكثر تفاؤلاً بدرجة كبيرة من غولسبي، الذي ربط خفض الفائدة برفع الرسوم الجمركية.

مع ذلك، فإن الجملة المحورية في تصريحاته، جاءت مشروطة بامتياز.

ومن المؤكد أنه يأمل أن يسمع ترامب عبارة «خفض معدلات الفائدة»، في حين يسمع الآخرون «يمكننا خفض الفائدة عندما تعود الأمور إلى طبيعتها».

وجاء في تصريحات محافظ الفيدرالي كريستوفر والر: «على افتراض أن معدل الرسوم الجمركية الفعلي يستقر قريباً من سيناريو انخفاض التعريفات الذي أتوقعه، وأن التضخم الأساسي يواصل التقدّم نحو هدف 2 %، وأن سوق العمل يظل متيناً، فسأكون من الداعمين لخفض معدلات الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، وذلك لأسباب إيجابية».

لا توجد مؤشرات على أن الاحتياطي الفيدرالي سيتخذ قرارات حاسمة في وقت قريب.

بل إن رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، منحت الأسواق «عذراً» لأخذ إجازة صيفية طويلة.

ومع بقاء معدلات البطالة عند مستويات منخفضة، وتراجع التضخم، وتوازن المخاطر في الاتجاهين، كررت لوغان ما قاله جيروم باول، بأن السياسة النقدية الأمريكية حالياً «في وضع جيد».

وأضافت: «قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، قبل أن نتمكن من تحديد ما إذا كان ميزان المخاطر يميل في اتجاه دون آخر».

وبالحديث عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، فقد أشار اقتصاديوه منذ أيام إلى تراجع جودة «الكتاب البيج» الصادر عن الفيدرالي في الآونة الأخيرة، والذي يتضمن مزيجاً من الأدلة المقدمة من 12 مقاطعة فيدرالية حول الاقتصاد في مناطقهم، وقد أصبح التقرير، الذي يعكس صورة سردية دقيقة عن التوجهات الاقتصادية في الولايات المتحدة، أصبح –حسب تقييمهم– متشائماً بشكل مُبالغ فيه منذ عام 2022.

وأظهرت تحليلاتهم أن «الكتاب البيج»، يركز بشكل مفرط على القطاعات الدورية في الاقتصاد الأمريكي –مثل التصنيع، والبناء، وتجارة التجزئة، والعقارات– وهي قطاعات لم تكن محرك النمو الحقيقي في المرحلة الأخيرة، وبالتالي، لا تعكس الصورة الكاملة للاقتصاد الأوسع نطاقاً.