ريوتاروه ساتوه - مالكولم مور
ظهرت فجوة تعدّ الأكبر منذ أكثر من عقدين بين توقعات الأطراف الرئيسة الثلاثة التي تتابع أسواق النفط الخام العالمية، وهو ما يتسبب في ارتباك بشأن حجم الطلب العالمي على النفط.
وأصدرت وكالة الطاقة الدولية، ومقرها باريس، ومنظمة أوبك لمنتجي النفط، وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية إحصاءاتها الشهرية عن النفط خلال الأيام القليلة الماضية. وبلغ الاختلاف بين توقعات الأطراف الثلاثة للطلب على النفط في عام 2026 ما يصل إلى 1.8 مليون برميل نفط يومياً، وهو ما يعادل استهلاك فرنسا من النفط، ويشكل الفجوة الأكبر منذ عام 2002.
وكانت الفجوة تتسع تدريجياً خلال العامين الماضيين، ما أثار الكثير من التساؤلات حول مسار الطلب العالمي على النفط في ظل تحول دول عدة إلى الطاقة النظيفة. ووقعت أسواق النفط هذا العام بين مخاوف من أزمة في المعروض، أشعلتها العقوبات الأمريكية على اثنتين من كبرى شركات النفط الروسية في أكتوبر، وتحذيرات من وفرة طويلة الأمد مدفوعة بالارتفاع الواضح لإنتاج النفط الصخري الأمريكي ومؤشرات التباطؤ الاقتصادي.
وتجاوز سعر خام برنت 82 دولاراً للبرميل في يناير قبل أن يعود إلى اتجاهه الهبوطي، ثم ارتفع مرة أخرى في يونيو بعد اشتعال التوترات في الشرق الأوسط، لكن المؤشر سجل نحو 64 دولاراً للبرميل يوم الجمعة.
وتعتبر وكالة الطاقة الدولية الأكثر تشاؤماً بشأن الطلب في عام 2026، حيث وضعت حجم الطلب عند 104.7 ملايين برميل يومياً، بينما أوبك الأكثر تفاؤلاً، مع توقعات تبلغ 106.5 ملايين برميل يومياً. أما إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فاتخذت موقفاً وسطاً بين الاثنين، بتوقعات تبلغ 105.2 ملايين برميل يومياً.
وقال تاماس فارغا، المحلل في شركة «بي في إم»، وهي شركة وساطة نفطية، إن التجار باتوا في حيرة من أمرهم بسبب الاختلاف. وقد أحدثت هذه الاختلافات الكبيرة في وجهات النظر ارتباكاً، إذ لا يعرف المتداولون الآن أي توقعات يتحركون على أساسها ولا أي رقم هو الصحيح. وأضاف أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين مستويات مخزون النفط ومعدلات الأسعار، لذا إذا تباينت توقعات مستويات المخزون، فلا يمكن التنبؤ بالسعر المحتمل في المستقبل.
وهناك أسباب محتملة متعددة لتباين التوقعات، منها خضوع حصة أكبر من النفط العالمي للعقوبات، وغياب الوضوح بشأن كمية النفط التي توجهها الصين للمخزون الاستراتيجي في ظل حرب تجارية متقطعة مع الولايات المتحدة.
وقال أحد مراقبي سوق النفط إن إيران، في ظل العقوبات الأمريكية، قد تحاول إخفاء حصة من إنتاجها النفطي، ما يسبب مشكلات في البيانات، بينما قال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك يو بي إس، إنه منذ إدارة ترامب الأولى، حجبت الصين بعض البيانات، لتخفي بذلك الحجم الحقيقي لمخزونها، ما يصعّب «الحصول على الصورة الكاملة».
ومما يزيد من الارتباك، طبقاً لمارتين راتس، المحلل في مورغان ستانلي، أن هناك الآن 1.13 مليون برميل يومياً من النفط في نموذج توقعات وكالة الطاقة الدولية «غير محسوبة»، وهذه هي البراميل التي تم إنتاجها، ولكن لا يبدو أنها استُهلكت أو خُزنت، وقال: «تاريخياً، في تسع من كل عشر مرات عندما يكون لديك نفط غير محسوب، تكون هناك مراجعات للطلب مع ظهور المزيد من البيانات».
وأشار إلى أن البراميل غير المحسوبة قد قفزت من 110000 برميل يومياً في عام 2024 إلى ما يقرب من مليوني برميل في أغسطس قبل أن تتراجع. وقالت وكالة الطاقة الدولية إن البراميل غير المحسوبة تأتي نتيجة لتأخر زمني في البيانات، وهذه الأرقام أصبحت الآن كبيرة جداً، وقد تحدث اضطراباً في وجهات النظر بشأن نمو الطلب.
وأضافت: «هناك الكثير من البيانات المتضاربة، وضباب كثيف، وهذا الضباب يخبرك أن هذه الأرقام ليست متوافقة، وأن الطلب الأساسي قد يكون أفضل مما نعتقد». وتابعت أنه إذا كان نمو الطلب أعلى بمقدار 200 ألف برميل يومياً مما يُعتقد، فسيكون لذلك آثار كبيرة في قطاع الطاقة. وقالت: «عندها نعود إلى الاتجاه التاريخي ونفكر بشكل مختلف تماماً في تأثير التحول في مجال الطاقة على النمو. ربما يتغير شيء أقل مما كنا نعتقد».
وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أنه رغم ثقتها بتوقعاتها، إلا أن أرقام الطلب قد تخضع للمراجعة، نظراً لانخفاض عدد الدول التي تنشر بيانات منتظمة حول العرض والطلب على النفط في السنوات الأخيرة، «وهو ما يأتي على حساب شفافية الأسواق واستقرارها».
وأكد ديفيد ويتش، كبير الاقتصاديين في شركة فورتيكسا لبيانات الطاقة، وجود انقسام سياسي كامن بين الأطراف المعنية بالتوقعات، وقال: «هناك، بشكل عام، اتجاه واضح فيما يتعلق بالتحول في مجال الطاقة والجوانب ذات الصلة بتغير المناخ. ومن المرجح جداً أن «أوبك» ترغب في إعطاء نظرة إيجابية للسوق، بينما من المحتمل أن تكون وكالة الطاقة الدولية، ربما عن عمد أو بدافع عاطفي، أكثر تحفظاً».
