مارتن ساندبو

قررت الحكومة النرويجية تعليق أعمال مجلس الأخلاقيات الذي كان حتى أيام مضت قادراً على التوصية باستبعاد الشركات من صندوق الثروة السيادية للبلاد لأسباب أخلاقية.وكان هذا الأمر بالغ الأهمية لـ«صندوق النفط»، كما يُطلق عليه الجميع، بينما الاسم الرسمي هو «صندوق التقاعد الحكومي العالمي».

والذي يقال إنه من ابتكار موظفين حكوميين ظنّوا أن اسماً مملاً يُركّز على التقاعد سيُقلّل من الإغراء السياسي لإنفاق مبالغ طائلة من الصندوق، يُعدّ هذا الصندوق الأكبر من نوعه في العالم، ويبلغ حجمه حالياً نحو تريليوني دولار، أي أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السنوي للنرويج.

وقد كانت أسسه وضماناته الأخلاقية، التي وُضعت قبل أكثر من 20 عاماً، رائدة، ومثالاً نادراً على دور الحجج الأخلاقية والفلسفية الواضح والأساسي في العمليات الحكومية، سواء في وضع القواعد الأصلية أو في تطبيقها اليومي.

لكن تم فجأة وضع حد لهذا النظام الأخلاقي على يد ينس ستولتنبرغ، الذي عاد إلى منصبه القديم كوزير للمالية بعد 30 عاماً، شغل خلالها منصبي رئيس الوزراء والأمين العام لحلف الناتو. وقد قدّم ستولتنبرغ حجةً اقتصاديةً لا سياسيةً أو أخلاقيةً لمثل هذه الخطوة.

وأوضح ستولتنبرغ (الذي أُنشئ صندوق النفط في عهده في التسعينيات) لفاينانشيال تايمز، قراره بتعليق صلاحية مجلس الأخلاقيات في التوصية بالاستبعادات ووضع قواعد أولية ريثما يتم التفكير في هيكل جديد.

وقال: «من الواضح أن الإطار الحالي يمكن أن يؤدي إلى إصدار قرارات من جانب هيئة مستقلة بالانسحاب من بعض أكبر الشركات في العالم، وهو ما من شأنه أن يُقوّض هدف الصندوق كصندوق استثمار عالمي واسع ومتنوع».

وكان الصندوق واجه بضعة أشهر مضطربة بشأن استثماراته في إسرائيل، ما دفعه إلى بيع نصف استثماراته في إسرائيل، بالإضافة إلى شركة كاتربيلر، تحت ضغط سياسي وشعبي شديد في النرويج بسبب الحرب في غزة.

وأعرب ستولتنبرغ عن قلقه من أن بيع إحدى شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة - التي تشكل أكبر سبع منها ما يزيد على 15% من حصص أسهم الصندوق - سيضر بمكانته، ويهدد بذلك دولة الرفاه في النرويج، حيث يُسهم الصندوق بنحو ربع الميزانية السنوية للبلاد.

ومن الغريب بالفعل القلق من أن مجلس الأخلاقيات قد يُقدم على خطوةٍ متسرعة أو يسمح للنشطاء بدفعه إلى حظر الشركات دون مبرر قانوني شامل، لأنه.

كما أخبرتني سيسيلي هيلستفيت، خبيرة القانون الدولي وأحد أعضاء المجلس الخمسة حتى استقالتها من منصبها احتجاجاً، «أن استبعاد شركات التكنولوجيا العملاقة لم يكن مسألةً ذات صلة، وأن مجلس الأخلاقيات ركز على حالات تتعلق بجرائم حرب جسيمة أو جرائم ضد الإنسانية».

وعلى أية حال، فقد أدى المجلس وظيفته على أكمل وجه في الماضي، فيما كان للبنك المركزي الكلمة الفصل، أي تماماً عكس ما يلمح إليه ستولتنبرغ بأن مجلس الأخلاقيات هو من يقرر.

ولنتساءل بعد ذلك عما إذا كان القلق منطقياً من الناحية الاقتصادية، فالحجة الأساسية هي أن هناك مقايضة بين الأخلاق والأرباح، وحتى في حال وجود مثل هذه المقايضة، فما حجمها؟

لنتذكّر أن صندوق الثروة السيادية النرويجي يعمل إلى حد كبير كصندوق مؤشرات - فهو مُلزم بتتبع مؤشر مرجعي متنوع ضمن اختلافات طفيفة، ويستثمر حالياً في أكثر من 8000 شركة.

وتشير الإحصاءات الأساسية إلى أنه بعد نقطة معينة، فإن إضافة شركات إلى محفظتك لا يُضيف الكثير إلى قدرتك على مُطابقة مؤشرك المرجعي.

في المقابل، فإن التخارج من شركات فردية لا يؤثر فعلياً على الأداء المتوقع لصندوقك المُتتبع للمؤشرات، بل في الواقع، سبق لوزارة المالية النرويجية أن أشارت على البنك المركزي بتقليص عدد الشركات في محفظته الاستثمارية.

ولا يعقل أن يكون مجلس الأخلاقيات قد أوصى باستبعاد حصة كبيرة من الاستثمار، فلا أحد يتصور أن يتصرف بهذه الطريقة الغريبة. وبالتأكيد، كانت هناك بدائل أفضل لو كانت المشاكل المالية التقنية هي المشكلة:

فهناك حلول بدائية مثل وضع حد أقصى لعدد أو حجم حصة المحفظة من الشركات المستبعدة. كما أن هناك حلولاً أكثر تعقيداً مثل إعادة تحديد معايير انتهاكات المعايير التي تبرر الاستبعاد.

وسيحدث هذا الأمر الأخير، فبالتأكيد ستأخذ المفوضية في الاعتبار القبول السياسي المتغير لبعض استثمارات الأسلحة، لكن كان من الممكن القيام بذلك دون تعليق الهيكل المؤسسي. فلماذا تم اللجوء إلى هذا الخيار؟

هناك بلا شك بعض الدوافع السياسية الواضحة، أحدها هو أن القرار المتعلق بشركة كاتربيلر أثار رد فعل سياسياً عنيفاً في الولايات المتحدة، وأن الحكومة النرويجية تُفضل ألا تقف في صف غير صف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأكد مجلس الأخلاقيات نفسه أن الجرافات الخاصة بالشركة بيعت بموجب برامج مبيعات عسكرية، وخضعت لضوابط التصدير الأمريكية في عهد الرئيس جو بايدن آنذاك. لكن لم يتحرك مجلس الأخلاقيات إلا عندما رفع دونالد ترامب هذه القيود، نظراً لخطر الجرائم الدولية.

ومن الدوافع الأخرى أن الحملات النشطة لسحب الاستثمارات النرويجية تُشكل مصدر إزعاج في علاقات حكومة حزب العمال مع الأحزاب الأصغر إلى يسارها، والتي تحتاج أصواتها لإقرار الميزانيات.

وقد أوضحت سيسيلي هيلستفيت إلى أنه على الرغم من مطالبة اليسار السياسي منذ عام 2023 بـ«قائمة طويلة» من عمليات سحب الاستثمارات، إلا أن أياً من هذا لم يكن ذا صلة بمجلس الأخلاقيات.

وكانت القواعد قد وضعت «بشكل دقيق لمنع صندوق النفط من أن يصبح أداة سياسية للأحزاب النرويجية».

وقد يُسهم تعليق قدرة مجلس الأخلاقيات على الاستبعاد في إسكات نقاش مُشتت للانتباه مع الأحزاب الأخرى. ولكن مهما كانت المكاسب السياسية التي ربما يتطلع إليها ستولتنبرغ إليها، فإن هناك تكلفة سياسية واضحة طويلة الأمد للتخلي عن إطار عمل كان يعزل استثمارات النرويج عن الضغوط السياسية. ويبدو أن التسييس سيزداد حتماً الآن:

فتقييد المجلس المستقل يفتح الباب للمصالح المحلية والأجنبية (وأيضاً أمام ترامب) للضغط على الحكومة، أضف إلى ذلك التكلفة التي تُلحق بالسمعة الجيدة نتيجةً للتلميح للعالم الخارجي بأن النرويج، التي تعد الآن أكثر ثراءً من أي وقت مضى، قد قررت أنها لم تعد قادرة على تحمل نهجها السابق في الاستثمار الأخلاقي.

ثم هناك الأخلاقيات نفسها، فجوهر نزع التسييس هو المعاملة المنصفة المتسقة، والتي كان دور المجلس المستقل توفيرها. وكما تقول هيليستفيت: «إذا لم تكن مُلتزماً بالمبادئ، فلن تُصبح أخلاقياً، بل سيُنظر إل الأمر عالمياً على أنه مجرد سياسة». ويمكننا أن نضيف ونتساءل: إذا كانت دولة غنية مثل النرويج لا تستطيع الالتزام بالمبادئ، فمن إذاً يستطيع ذلك؟