مارتن وولف

ماذا قدم الرومان للأوروبيين؟ تضمنت الإجابات عن هذا السؤال، في عام 1800، قنوات المياه والحمامات والسلام. لكن ماذا لو كانت الإجابة الصحيحة هي: «سقوط إمبراطوريتهم»؟

باختصار، لأن الدور البارز لأوروبا الغربية في تاريخ العالم يعود أساساً إلى غياب إمبراطورية واسعة النطاق في أوروبا. فقد أدى ذلك إلى ما أسماه المؤرخ والتر شيدل «التشرذم التنافسي» لأوروبا الغربية.

حيث أفضت المنافسة إلى إحداث التغييرات التجارية والفكرية والتكنولوجية والقانونية والسياسية الواسعة التي قادت في النهاية إلى الثورة الصناعية. ومن ثم، فقد تغير كل شيء.

وتمثل فائدة «التشرذم» الفكرة المحورية في كتاب شيدل، الذي نشر عام 2019. لم تكن الفكرة جديدة، لكن شيدل أحياها، من خلال التشديد على أن تقدم أوروبا الغربية يعود بالأساس إلى عجز أي قوة لاحقة عن تكرار ما فعلته روما. وعلى عكس الصين أو الشرق الأوسط أو الهند، لم تعد الإمبراطورية الشاملة إلى أوروبا أبداً.

وهذا صحيح، فلمدة تمتد إلى 1500 عام، ظلت الدول الأوروبية تتنافس بل وتتصارع مع بعضها البعض. ومن الممكن أن نستحضر نظرية «العقارب في القمقم» عند قراءة التاريخ الأوروبي. لقد احتاجت العقارب إلى تطوير لسعات سامة للبقاء والازدهار في هذه البيئة الشرسة.

وقامت بذلك بالفعل، لدرجة أن جزيرة أوروبية صغيرة غزت معظم العالم وأطلقت الثورة الصناعية. وقد انسحبت بعض الدول من المنافسة، لكن الابتكارات والأفكار المكبوتة في بعض الأماكن انتقلت إلى أماكن أخرى.

وأنشأ الأوروبيون إمبراطوريات في بقية العالم، ولكن ليس في أوروبا. وهذا، كما يشير شايدل، هو المهم. وهو يقارن المنافسة الأوروبية بالركود الإمبراطوري في أماكن أخرى.

ويلفت إلى أن الإمبراطوريتين الصينية والرومانية كانتا مشتركتين في «درجة معينة من تكامل السوق والنمو الموزع غير المتكافئ.. مقيدتين بضعف قدرة الدولة، وتفشي تعدي النخبة، ونقص الابتكار، وكذلك ضعف تكوين رأس المال البشري.

وانخفاض النمو الذي يقوده الابتكار». وقد وفرت الإمبراطوريات السلام لفترة من الزمن، لكنها كانت آلات لاقتناص الريع. وفي أوروبا، هزمت مثل هذه الأنظمة على يد الأنظمة الأخرى التي نجحت في دفع عجلة الابتكار.

لكن لماذا ظلت أوروبا مجزأة؟ يبدو أن الإجابة تكمن في الجغرافيا - الجبال والبحار. لم تكن المناطق الخصبة التي يمكنها دعم أعداد كبيرة من السكان، وبالتالي دفع الضرائب العالية كبيرة جداً ولا قريبة بالمرة. كما لم يكن هناك نجاح في تكرار الكفاءة العسكرية النسبية لروما.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، نمت اقتصادات أوروبا الغربية بشكل كبير: وفي عام 2022، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في أوروبا الغربية 19 ضعفاً مما كان عليه قبل 200 عام.

كما ارتفع متوسط العمر المتوقع، من 36 عاماً في عام 1820 إلى 82 عاماً في عام 2020. وقد انتشرت الثورة من أوروبا إلى جميع أنحاء العالم.

وأصبحت الولايات المتحدة الاقتصاد الرائد في العالم منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بينما في الآونة الأخيرة، زاد ازدهار الصين بشكل كبير. لقد تحول العالم وتغير كثيراً. وأصبح بالتأكيد أكثر ثراءً بدرجة كبيرة.

وقد فتحت التطورات التكنولوجية أيضاً الإمكانيات لمنافسة عالمية شديدة. وهذا له آثار وتداعيات هائلة. وحتى وقت قريب، كان الاقتصاد الوحيد المتقدم تقنياً على نطاق قاري هو اقتصاد الولايات المتحدة.

وقد حاول الاتحاد السوفييتي أن يصبح واحداً هو الآخر، لكنه فشل، إلا في المجال العسكري. أما الآن، فإن الصين اليوم هي هذه القوة. وقد تصبح الهند واحدة أيضاً.

وهكذا إذن، أصبحت «الزجاجة» هي العالم، وليست أوروبا، وأخطر العقارب هي بحجم الإمبراطوريات القديمة نفسه: في الواقع، واحدة منها، الصين، هي المثال النموذجي للإمبراطورية القديمة.

لكن أين يترك هذا أوروبا، أصل هذه الثورة؟ إن عدد سكان الاتحاد الأوروبي يبلغ 450 مليون نسمة، وهو أصغر بكثير من سكان الصين، ناهيك عن الهند، ولكنه أكبر بكثير من سكان الولايات المتحدة.

ووفقاً لتعادل القوة الشرائية، يعتبر اقتصادها أصغر من اقتصاد الولايات المتحدة والصين، ومع ذلك لا يزال كبيراً جداً. لكن، كما ورد في تقرير ماريو دراغي، وفي ورقة بحثية حديثة بعنوان «دستور الابتكار» للويس غاريسانو وبينغت هولمستروم ونيكولا بوتي.

فإن الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو متخلفان في الإنتاجية. كما يجد الاتحاد الأوروبي صعوبة في حشد موارده الاقتصادية والديموغرافية، التي تفوق بكثير موارد روسيا، لضمان أمنه دون حماية المظلة الدفاعية الأمريكية.

وربما يستطيع الاتحاد الأوروبي القيام بما يتوجب عليه فعله، على الرغم من أن تاريخه من التشرذم سيجعله دائماً أشبه بعصبة من الدول المتناحرة أكثر منه دولة ذات سيادة.

وهذا، كما تشير الورقة المذكورة، هو وعد «السوق الموحدة»: كل ما علينا فعله هو فقط بذل المزيد من الجهد. ويمكن للمرء أن يجادل بأن هذا ينطبق أيضاً على تحدي الأمن.

ومع ذلك، فإن هذا ليس مقنعاً تماماً، فالسيادة والهوية الوطنية والسياسة والضرائب (وهي تعبير عن الآخر) تظل وطنية راسخة. ولهذا السبب كان استكمال السوق الموحدة صعباً للغاية. وينطبق هذا القول بشكل أكبر على الدفاع، حيث يجعل غياب التنسيق الانتفاع المجاني أمراً حتمياً.

علاوة على ذلك، تلعب وفورات الحجم والنطاق، والأهم من ذلك كله، التكتل، دوراً هائلاً في أحدث التقنيات. وليس من قبيل الصدفة، كما يشير بول كروغمان، أن تتركز الثورة الرقمية في وادي السيليكون. فهل يقبل الأوروبيون (أو يكونون قادرين) على هندسة مثل هذا التجمع الهائل؟

لا بد أن نشك في ذلك. إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان هذا أيضاً لا يؤثر على الإنتاجية فحسب، بل أيضاً على القدرة على الدفاع عن أمنها، فقد يكون الاستنتاج أن أوروبا تعاني الآن من مفارقة تاريخية:

فالتشرذم الذي جعل دولها قوية وغنية، يشكل في العالم الجديد، عائقاً أمام بقائها. وفي عصر القوى العظمى القارية، قد يكون التشرذم الأوروبي عائقاً لا يمكن التغلب عليه.

رغم ذلك، هناك احتمال يحمل قدراً من السعادة. لا يزال الجمود الإمبراطوري يشكل تهديداً للدول الكبرى. ونشهد ذلك في المركزية المفرطة للسلطة الصينية ومحاولة إنشاء نظام فاسد في الولايات المتحدة. لذا، ربما ينبغي للأوروبيين أن يظلوا مسرورين بسقوط روما، وعدم عودتها رغم الجهود المبذولة.