جون بلندر
مع سيطرة نشوة الذكاء الاصطناعي على الأسواق وتفاقم حالة عدم اليقين المحيطة بالاقتصاد العالمي يشعر المستثمرون بقلق مبرر، لمعرفة أين نقف الآن في دورة الأعمال الحالية، ومع ذلك لا توجد إجابة مرضية، لأن هذه الدورة قد تشوهت بشكل كبير بفعل سلسلة من الصدمات، بدءاً من جائحة كوفيد، وصولاً إلى تعريفات ترامب الجمركية، وقد دفعت هذه الصدمات بدورها الحكومات والبنوك المركزية إلى تدخلات تؤدي إلى إفساد تحليلات دورة الأعمال التقليدية.
ومن الأجدى النظر إلى حالة الدورة المالية الأطول بكثير، والتي تعكس مد وجزر شهية المخاطرة في أسواق الائتمان والعقارات، على عكس فترات الذروة والانخفاض في الإنتاج والتوظيف، وغالباً ما تتبع نقاط التحول في قمة هذه الدورة أزمات مصرفية وتراجعات حادة في السوق - انخفاضات من الذروة إلى القاع - قد تستغرق الأسعار سنوات للتعافي منها.
وفي مقال نشره بنك التسويات الدولية في عام 2014 لفت كلاوديو بوريو، الذي شغل مناصب رئيسية مختلفة في الإدارة النقدية والاقتصادية للبنك الانتباه إلى ما أسماه «المرونة المالية المفرطة»، وهي عجز من جانب صانعي السياسات عن منع تراكم الاختلالات المالية الناجمة عن طفرات الائتمان وأسعار الأصول غير المستدامة، وتنتج عن ذلك أزمات مصرفية خطيرة وحالات ركود أو كساد عميق.
ورأى أن تصورات القيمة والمخاطرة كانت مسايرة للدورات الاقتصادية بشكل مفرط، بل وتضخمت بفعل ميل المشاركين في السوق إلى تحمل المزيد من المخاطر مع ازدياد الثروة المتصورة، وخلص بوريو إلى أن الفشل في تصميم سياسات محلية للتعامل مع الدورات المالية الضخمة يرسخ عدم الاستقرار، ويمكن أن يعيدنا إلى التخفيضات التنافسية المثيرة للانقسام التي شهدتها فترة ما بين الحربين العالميتين، وسيؤدي ذلك في النهاية إلى «حقبة تحدد مسار انقسام زلزالي في أنظمة السياسات، والعودة إلى حقبة من الحمائية التجارية والمالية، وربما الركود المصحوب بالتضخم».
هذا وصف دقيق بالفعل لعالم ترامب اليوم، عالم ممزق يحمل وصمة الأزمة المالية، التي لحقت به في عامي 2007 و2008، ولحسن الحظ فإن الوضع الحالي للدورتين التجارية والمالية معتدل نسبياً حتى الآن، فمن ناحية الأعمال، تعد السياسة المالية داعمة والعجز المالي بالولايات المتحدة في عام 2005 وصل إلى 6.2 % من الناتج المحلي الإجمالي، ومع عدم توقع أي ضبط للأوضاع، لذا لا بد للدين العام الذي يبلغ حوالي
100 % من الناتج المحلي الإجمالي أن يرتفع لا محالة.
كذلك، في الصين وبقية العالم تعتبر السياسة المالية توسعية إلى حد كبير، ويعتقد أن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى لا تزال في مسار تنازلي، ويمكن توقع زخم توسعي إضافي في عام 2026 نتيجة لتخفيف الطلب المكبوت وتضاؤل تردد الشركات في التوظيف والاستثمار مع تآكل صدمة ورعب نوبات الغضب من الرسوم الجمركية.
وعلى الصعيد المالي لم تظهر فقاعة ائتمانية بعد، إذ مولت استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى الضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير من تدفقات نقدية وفيرة، كما أن سوق الإسكان لم يشهد ارتفاعاً حاداً في أسعار العقارات، ومع ذلك ثمة دلائل قوية على تسارع وتيرة الاستدانة.
وكما أشارت الزميلة في فاينانشال تايمز جيليان تيت فإن العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة - مثل «أوبن أيه آي» و«أنثروبيك» و«إكس أيه آي» التابعة لإيلون ماسك - تسجل خسائر، وتعزز تقييماتها الضخمة من خلال أشكال مختلفة من تمويل البائعين المتقاطعين، والنتيجة النهائية هي سلسلة من التدفقات الدائرية، التي تحاكي سلوك البنوك وشركات التأمين في مشتقات الائتمان قبل انفجار فقاعة عام 2008.
ويشير بوريو إلى أنه بفضل التحرير المالي امتدت مدة الدورة المالية منذ أوائل الثمانينيات إلى 16 - 20 عاماً في الولايات المتحدة، التي تقود هي الدورة العالمية.
بناء على تقديره للانخفاض الأخير في عام 2013 قد يبقى انفجار الطفرة/ الفقاعة بعيداً بعض الشيء - لا سيما أن إدارة الرئيس دونالد ترامب غير المستقرة عازمة على تخفيف نظام رأس مال البنوك بشكل مواكب للدورات الاقتصادية، إلى جانب اتخاذ إجراءات أخرى لإلغاء القيود التنظيمية المالية.
وهكذا فإن الحقيقة المرة هي أننا عالقون في دورات متتالية، حيث ظل صانعو السياسات مترددين للغاية في مواجهة الطفرات المالية، ثم مبالغين في العناد والإصرار في تخفيف وطأة الركود المالي، ويمثل وجود شبكة الأمان هذه دافعاً محفوفاً بالمخاطر الأخلاقية لتضخيم دورة متضخمة أصلاً.
ومع بلوغ الدين العام في الاقتصادات المتقدمة الكبرى مستويات لم تحدث من قبل إلا في زمن الحرب سيمثل تمويل خطة الإنقاذ التالية تحدياً هائلاً، وكذلك خفض الديون، نظراً لضعف الإنتاجية وتراجع النمو.
ويعود ضعف رغبة صانعي السياسات في توحيد الديون عبر زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام في معظمه إلى انضباط حراس السندات، ومن الأسهل بكثير أن نأمل بأن يحقق الذكاء الاصطناعي نصراً مفاجئاً على الإنتاجية، ويترتب على ذلك في ظل المناخ الشعبوي المتزايد وتعرض استقلالية البنوك المركزية لهجوم متصاعد أن تلجأ البنوك المركزية إلى التمويل النقدي التضخمي للعجز المالي.
وكذلك إلى القمع المالي، الذي يستلزم قبول المؤسسات المالية بأسعار فائدة أقل من السوق على حيازات الدين العام القسرية.
وعموماً فإن الرسالة المقلقة للمستثمرين هي أن كل شيء لاستثناء الأوراق المالية ذات الفائدة الاسمية الثابتة قصيرة الأجل أصبح الآن محفوفاً بالكثير من المخاطر.