كاتي مارتن
أصاب المستثمرون في توقّعاتهم لنتيجة الانتخابات الأمريكية، فقد جاءت النتيجة سريعة وحاسمة، بما يُبرز تفرد التجربة الأمريكية. وتعد هذه التطورات بمثابة أنباء سارة للأسهم الأمريكية، في حين يُثير انخفاض أسعار السندات بعض المخاوف بشأن ارتفاع مستويات الدين نتيجة لفوز دونالد ترامب.
وعلى الرغم من بعض الشكوك التي ساورت البعض في اللحظات الأخيرة وعدم اليقين الذي تسببت فيه استطلاعات الرأي في ولاية أيوا، فإن أصوات الأسواق كانت واضحة على مدار أسابيع، وكانت على قناعة بأن الرئيس السابق سيعود إلى البيت الأبيض. واتضحت الدلائل على هذا اليقين في مواطن عدة بالأسواق العالمية.
وتشير الخطط الاقتصادية لترامب إلى تخفيضات ضريبية واستمرار للإنفاق المرتفع، مع فرض تعريفات جمركية كبيرة على الواردات، والضغط على المعروض من العمالة من خلال ما وصفه أحد مديري الصناديق مؤخراً، بصورة دبلوماسية، بأنه «إجهاز على الهجرة».
لكن كل هذه العوامل تحمل في مجملها طابعاً تضخمياً. وهو ما سيلقي بظلاله على السندات، التي لا يفضّل مستثمروها ارتفاع الأسعار بسبب عوائدها الثابتة، والتي تحقق أداءً جيداً حينما تنخفض أسعار الفائدة.
توُعد هذه بالفعل واحدة من أكثر المهام تعقيداً التي تواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذا ما تسببت سياسات ترامب في إعادة تحفيز الضغوط التضخمية من جديد.
وفي الوقت نفسه، تُعد هذه العوامل إيجابية للدولار الأمريكي، الذي سيستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة لمدة أطول، ومن التعريفات الجمركية على الواردات المُصممة لتثبيط المُشتريات الأمريكية من البضائع الأجنبية. علاوة على ذلك، يُعد تخفيف القيود التنظيمية عاملاً إيجابياً للأسهم.
وشهدت الأسواق نتائج كل ذلك بصورة كبيرة منذ أواسط سبتمبر الماضي. فخلال تلك الفترة، ارتفع مؤشر الدولار بأكثر من 3% حتى قبل إعلان نتائج الانتخابات. كما حققت الأسهم مكاسب قدرها 5% تقريباً بالنسبة لمؤشر «إس آند بي 500».
كذلك، قفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 أعوام من نحو 3.6% إلى ما يقرب من 4.3%، ما يعكس انخفاضاً كبيراً في الأسعار، إذ تتحرك عوائد السندات عكس الأسعار.
وتسارعت وتيرة كل هذه المكاسب يوم الأربعاء بصورة ملحوظة، بعد مؤشرات فوز ترامب بالانتخابات. والأكثر أهمية كان ارتفاع عوائد السندات الأمريكية من جديد وبسرعة، مما دفع بالعوائد على سندات الخزانة لأجل 10 أعوام إلى 4.46%.
لكن لا بدّ من تسليط الضوء على السياق هنا. فقد كانت العوائد مرتفعة في صيف هذا العام. ومع ذلك، قد تكون هذه واحدة من أكبر قفزات العوائد الأمريكية منذ أزمة السندات الحكومية التي استمرت لفترة وجيزة في المملكة المتحدة منذ نحو عامين. وهذه القفزات، لا الأسهم، هي التحوّل الذي تجب متابعته عن كثب.
يتعلق جزء من ذلك كله بمجلس الاحتياطي الفيدرالي. وهل بإمكانه مواصلة خفض أسعار الفائدة في العام المقبل، إذا مضى ترامب قدماً في تنفيذ تهديداته بفرض تعريفات جمركية وتسبب في ارتفاع التضخم؟
ويحضرني هنا ما قاله سلمان أحمد، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي لدى «فيدليتي إنترناشونال» في لندن: «هل سيرفعون الفائدة في العام المقبل؟ هذا سؤال وجيه لا بدّ علينا من طرحه».
ويتعلق جزء آخر من هذا بمسائل أكثر تعقيداً عن الاستدامة المالية، حيث لم تكن كامالا هاريس، منافسة ترامب في الانتخابات، متشددة من حيث السياسة المالية، وكان كلا المُرشحين يخطط لمواصلة الإنفاق.
لكن إرادة ترامب في هذا الصدد يُنظر إليها على أنها أضعف، ومن شأن تراجع أسعار السندات هذا، حال استمراره، أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض الأمريكية.
وحسب إشارة شركة دي دبليو إس الألمانية لإدارة الأصول، فإن «الخوف من تراخي الانضباط المالي من المُرجح أن يكون حاسماً على وجه الخصوص».
وهذا هو «البُعبُع» الذي ظل يطارد المستثمرين طيلة أعوام. فمتى سيعلن المستثمرون أن الإنفاق الحكومي قد بلغ منتهاه وأنهم يرفضون تحمل هذه الأعباء؟ أو متى سيطالبون بالحصول على عوائد أعلى لقاء هذا؟
ويُثار هذا السؤال القديم كلما انخفضت أسعار السندات بغض الطرف عن السبب، ومتى كان هناك تغيير في الاتجاه السياسي. وسيكون الشكل النهائي للكونغرس مهماً بالنسبة للمستثمرين في الوقت الراهن، لأن الفوز الساحق للجمهوريين من شأنه إزالة أي عوائق مُحتملة قد تقابل خطط ترامب الاقتصادية.
وسيقضي مديرو الأموال الأشهر والأعوام المقبلة في تمحيص خطط حملة ترامب بشأن التعريفات الجمركية والضرائب، لبيان أي منها حقيقي، وأي منها مجرد تكتيكات تفاوضية مع الشركاء التجاريين، وأيها مجرد حديث لا طائل منه.
ويعكس عدم اختراق عوائد سندات الخزانة الأمريكية مستوى 5% بعد، اعتقاداً من جانب حملة السندات بأن بعض ما تعهد به ترامب لم يكن إلا لغرض الحديث. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن اختيار ترامب لوزير الخزانة سيكون مهماً هو الآخر.
وثمة أمر ما يطل برأسه علينا هنا، بينما نأخذ في بحث هذه التفاصيل، وهو ارتفاع العوائد الأمريكية على الرغم من الانخفاض الأولي لنظيراتها في المملكة المتحدة وألمانيا. وقال سلمان أحمد من «فيدليتي»: «من النادر للغاية أن يحدث ذلك»، واستطرد:
«يشير هذا إلى وجهة نظر السوق بخصوص انتقال النمو، فإن التعريفات والسياسة المالية تسلب النمو من مكان وتحمله إلى مكان آخر». ويُعد الانخفاض السريع للأسهم في الصين ذا دلالة، فخطة «أمريكا أولاً» قيد التنفيذ.
عموماً، فمما لا شك فيه أن حراس السندات استفاقوا وأدركوا حجم الفوز الكبير الذي حققه الرئيس السابق. ويُعد الانخفاض الفوري لأسعار السندات مثيرًا للقلق.
وتظل مسألة الاستدامة المالية مثارًا للقلق، وسيواجه المستثمرون وقتًا عصيباً في استيعاب هذا الأمر، وكذلك في التعامل مع سياسة ترامب بشأن التعريفات الجمركية على مدى الأشهر المقبلة.
ومع ذلك، فالعامل المقابل لكل هذا يتسم بقوة أكبر من سوق السندات، وهو غرور ترامب، حيث يحب ترامب الفوز بمعاركه، ويحب كذلك الأسهم المرتفعة. وإذا حالفنا الحظ، فقد يمنعه ذلك من فعل أمر مزعزع فيما يتعلق بالديون والتضخم، من شأنه تعكير صفو الأسهم.