في ظل موجات الرسوم الجمركية المتقطعة التي تواصل الضغط على محافظ الأسهم، يتجه المستثمرون حول العالم للبحث عن ملاذات آمنة. وتُعد الغازات الصناعية، المستخدمة في قطاعات البناء والتصنيع والرعاية الصحية، خياراً مثالياً في هذا السياق.

وعلى ما يبدو، فإن هذه الصناعة، التي تُحقق إيرادات سنوية تقارب 87 مليار يورو، تنتمي إلى القطاعات التي تعيش فعلياً خارج منطق العولمة، إذ إن نقل غازات مثل الأوكسجين والنيتروجين والأرغون وثاني أكسيد الكربون يُعد مكلفاً، ما يستلزم غالباً تزويد العملاء بالإمدادات مباشرة في مواقعهم أو بالقرب منها.

ويُقدّر محللو بيرنشتاين أن أكثر من أربعة أخماس المبيعات لدى الشركات الثلاث الكبرى - «ليندي»، التي يقع مقرها في أيرلندا، و«إير ليكيد» الفرنسية، و«إير برودكتس» الأمريكية - هي مبيعات محلية، أما المبيعات الدولية فهي ضئيلة.

وهناك، رغم كل ما يقال، الكثير من الوضوح فيما يُعرف بـ«الصناعة الخفية». فعقود الشراء والتوريد تُبرم عادةً لفترات تتراوح بين 15 و20 عاماً، وتكون محصنة ضد التقلبات السياسية، ما يضمن دخلاً متكرراً من خلال المعدات المؤجرة على أساس طويل الأمد في مواقع العملاء.

وتُشكل الطلبيات المتراكمة الضخمة، التي تتجاوز 10 مليارات دولار لدى شركة «ليندي» و4.5 مليارات يورو لدى «إير ليكيد»، دعماً استراتيجياً لهذا القطاع.

كما أن تباطؤ الاقتصاد لا يُحدث تأثيراً كبيراً على هذه الصناعة، إذ لا تُخزن الغازات لفترات طويلة، نظراً إلى استخدامها مباشرة بعد إنتاجها. وتتنوع قاعدة العملاء لتشمل توريد أسطوانات ثاني أكسيد الكربون إلى عدد من القطاعات، وخزانات الأوكسجين إلى المستشفيات، ومزيجاً من الغازات الخاصة لصناعة أشباه الموصلات.

وقد تفتقر هذه الصناعة إلى الجاذبية التي تتمتع بها قطاعات مثل التكنولوجيا والدفاع، وكلاهما من مستخدمي الغازات أيضاً، لكن الصناعة أظهرت صموداً ملحوظاً أمام تقلبات السوق الناتجة عن الرسوم الجمركية.

بل إن تقييمات أسهم القطاع تميل إلى الارتفاع، حتى الشركة الأقل تقييماً «إير برودكتس»، تُتداول حالياً عند مضاعف ربحية يبلغ 21 ضعفاً للعام المقبل.

ولا يزال النمو قائماً، فمن المتوقع أن ينمو العائد قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك لدى الشركات الثلاث الكبرى هذا العام بنسبة تتراوح بين 3 و6 %، على أن ترتفع النسبة إلى 6 – 7 % في العام المقبل.

وذلك وفقاً لتقديرات مجمعة من «فيزيبل ألفا». ومع ذلك، قد تتجاوز الأرقام هذه التوقعات، خصوصاً أن «ليندي» تفوقت على تقديرات المحللين لـ 25 ربعاً متتالياً.

رغم ذلك، فإن صناعة الغازات الصناعية ليست بمنأى تام عن التقلبات السياسية. فالقطاع يُعد من أولى الحلقات في سلسلة التحول نحو الطاقة المتجددة، إذ يتم إنتاج الهيدروجين الذي يُعد عنصراً أساسياً في التقنيات النظيفة مثل خلايا وقود الهيدروجين.

ومع ذلك، فإن بعض المشاريع التي انطلقت في فترات سياسية أكثر استقراراً بدأت تواجه بعض العراقيل، ففي فبراير، انسحبت شركة «إير برودكتس» من ثلاثة مشاريع، من بينها مشروع في نيويورك كان يُفترض أن يُنتج الهيدروجين الأخضر السائل.

وذلك بعد إلغاء حوافز ضريبية. كما تواجه «ليندي» تأخيرات في مصنعها للهيدروجين النظيف في كندا والبالغة قيمته ملياري دولار. غير أن هذه تبقى مجرد عقبات هامشية، والنشاط الرئيس لشركات الغازات الصناعية ما زال يشكل ملاذاً آمناً من «الضجيج السياسي».