تدخل طفرة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة أكثر خطورة، فحتى الآن كانت الشركات العملاقة هي المحرك الرئيسي للإنفاق الرأسمالي العالمي على الرقائق، ومراكز البيانات والبنية التحتية السحابية، وكان يتم تمويلها بشكل كبير، من خلال أرصدتها النقدية الداخلية الضخمة، إلا أن الحجم المتوقع لقوة الحوسبة اللازمة للذكاء الاصطناعي التوليدي يدفع الآن نحو التحول نحو هياكل تمويل أكثر استدانة وغموضاً ودائرية، ما يزيد من المخاطر الاقتصادية المرتبطة بنجاح هذه التكنولوجيا.

ووفقاً لمورغان ستانل من المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على مراكز البيانات إلى ما يقارب 3 تريليونات دولار من الآن وحتى عام 2029، وستظل شركات التكنولوجيا الكبرى من أكبر المنفقين، لكن التدفقات النقدية من أعمالها في مجال الإعلان والحوسبة السحابية لا يمكن أن تتجاوز هذا الحد، ويتجه الكثيرون بشكل متزايد إلى مصادر الائتمان العامة والخاصة لدعم المزيد من التوسع.

وفي أغسطس جمعت شركة ميتا 29 مليار دولار - بما في ذلك 26 مليار دولار من الديون - من مستثمري رأس المال الخاص ومراكز التمويل في أوهايو ولويزيانا، وعلى الرغم من أن مجموعات التكنولوجيا الكبيرة لا تزال تتمتع بتصنيفات ائتمانية قوية إلا أن الديون توجه إلى مشاريع لمقترضين غير مؤهلين للاستثمار، مثل «كورويف»، و«أوبن أيه آي»، مطورة «شات جي بي تي»، إلى جانب شركات ناشئة أصغر في مجال الذكاء الاصطناعي، كما يتم تأمين التمويل من شركات أخرى ضمن سلسلة توريد التكنولوجيا، ما يخلق شبكة كثيفة ومترابطة من التعرضات.

وأعلنت «أوبن أيه آي» هذا العام عن صفقات بقيمة تزيد على تريليون دولار، لتعزيز قوة الحوسبة مع شركات «إنفيديا» و«أوراكل» و«إيه إم دي» و«كورويف» ثم «برودكوم».

وتضمنت بعض الاتفاقيات ترتيبات تمويل دائرية معقدة، ويوسع هذا التحول في التمويل التداعيات الاقتصادية والمالية المحتملة في حال فشل الذكاء الاصطناعي التوليدي في الوفاء بوعوده.

حتى الآن تركزت معظم المخاوف على سوق الأسهم، وفي الأسبوع الماضي حذر كل من صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا من أن تقييمات التكنولوجيا تقترب من أقصى مستوياتها في عصر الدوت كوم، ما يزيد من خطر حدوث تصحيح حاد في الأسهم العالمية، وسيؤثر مثل هذا الانعكاس المفاجئ على صناديق الاستثمار والمعاشات التقاعدية ومحافظ التجزئة، لكن الاعتماد المتزايد على الديون، خصوصاً من جهات الإصدار الأقل جودة، يعرض البنوك والقطاع غير المصرفي ذي المديونية العالية لأي تخلف محتمل عن السداد.

كما أن صفقات التمويل الثنائية القائمة على الدوائر القريبة تضخم خطر تداعيات ظاهرة الدومينو، وستشتد الضغوط على الذكاء الاصطناعي التوليدي لإظهار قدرته على جلب الإيرادات اللازمة لتبرير استثمارات اليوم الضخمة - وسداد ديون الدائنين، وقد وصل تطبيق «شات جي بي تي» مؤخراً إلى 800 مليون مستخدم نشط أسبوعياً، ويستخدم على نطاق واسع من قبل المستهلكين في حياتهم اليومية، ومع ذلك سيستغرق تبني الشركات للذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع وقتاً أطول، وكلما طال أمد عدم ظهور الزيادة المتوقعة في الإنتاجية على مستوى الاقتصاد زاد خطر تراجع التمويل والتخلف عن السداد، وهناك مخاطر أخرى، حيث يعني تسارع وتيرة ابتكار الرقائق الإلكترونية أن مراكز البيانات ستصبح قديمة بشكل أسرع من المتوقع، وقد يؤدي ضعف الوصول إلى الكهرباء الرخيصة إلى جعلها غير قابلة للاستمرار.

ويرد البعض بأنه حتى إذا ثبت أن التوسع في الذكاء الاصطناعي مفرط في الحماسة فإن التاريخ يشير إلى أن مثل هذا الإفراط قد يخلف وراءه بنية تحتية مفيدة، تماماً مثلما حدث إبان طفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر أو شبكات الألياف الضوئية، التي وضعت خلال فقاعة الإنترنت، ويمكن لوفرة الطاقة الحاسوبية الرخيصة أن تدعم الموجة التالية من النمو والابتكار.

وعلى أية حال لم يعد ارتفاع الاستثمار في مراكز البيانات مجرد رهان على الإنتاجية، بل أصبح اختباراً متزايداً للاستقرار المالي أيضاً.

ومع تزايد ارتباط الائتمان ورأس المال والثقة، قد يحدث أي تعثر هزة أكبر بكثير من مجرد تقييمات التكنولوجيا، لذلك سيكون انضباط الشركات وتدقيق المستثمرين واليقظة التنظيمية الآن أكثر أهمية، لضمان استمرارية نمو طفرة الذكاء الاصطناعي بدلاً من انهيارها.