سمية كينز

لا أعلم على وجه اليقين من سيفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، لكن الأمور ستتضح في كل الأحوال خلال ساعات. في المقابل، وللأسف الشديد، لا يمكن قول الشيء نفسه عن حالة عدم اليقين التي تُحيط بإحصاءاتنا الرسمية. فمع أننا نعيش نظرياً في عصر البيانات، إلا أننا في بعض القضايا المحورية، نمتلك معلومات أقل مما كان يتوفر لدينا سابقاً.

وتُعد حالة مسح القوى العاملة في بريطانيا، خير مثال على ذلك. ففي عام 2014، لم تكلف نصف الأسر نفسها عناء المشاركة في المسح، وتُشير التقديرات الحالية إلى أن أسرة واحدة فقط من بين كل خمس أسر تُشارك في المسح. وأدى هذا التراجع الكبير إلى جعل الأرقام عرضة للتذبذبات والتحيزات، ما دفع مكتب الإحصاءات الوطنية إلى خفض تصنيف مقاييس عدم النشاط والبطالة إلى «إحصاءات رسمية قيد التطوير». ولعلي أفضل تسميتها بـ «أرقام لا طائل منها».

وتُشكل هذه المسألة تحدياً كبيراً لواضعي السياسات النقدية، الذين يحتاجون إلى فهم دقيق لوضع سوق العمل قبل تحديد أسعار الفائدة. كما أن وزارة الخزانة كانت ستستفيد بالتأكيد من هذا الفهم الواضح، قبل فرض تكاليف إضافية على أصحاب الأعمال في الموازنة. وإذا كان جزء من مشكلة عدم النشاط المُقاس في بريطانيا ناتجاً عن بيانات غير دقيقة، فمن المؤكد أن الجميع يرغب في معرفة ذلك.

وقد تُساعدنا مؤشرات أخرى لسوق العمل، مثل تلك المُستقاة من السجلات الضريبية، في فهم هذه المسألة. وتُشير هذه البيانات إلى أن نمو التوظيف كان أفضل مما أظهره مسح القوى العاملة في بريطانيا، بين صيف عام 2023 وربيع عام 2024، على الرغم من التراجع الذي شهده منذ ذلك الحين. لكن هذه الأرقام لا تشمل العاملين لحسابهم الخاص، ولا تُقدم أي معلومات عن معدلات البطالة أو عدم النشاط.

ويحاول مكتب الإحصاءات الوطنية إصلاح المشكلة عن طريق زيادة حجم العينة التي يشملها مسح القوى العاملة في بريطانيا، وتعزيز الحوافز التي تحصل عليها الأسر عند الاستجابة للمسح، ويعمل المكتب في الوقت ذاته على نسخة «مُحدّثة» جديدة. لكن ينطوي ذلك على مواجهة تهديد مختلف، فكثيراً ما يعتمد استنباط المعاني من البيانات على وجود مجموعات متواصلة من البيانات بمرور الوقت. ويمكن أن يكون ذلك صعب التحقيق، عند البدء في تعديل أساليب إجراء المسحات.

وربما كان هذا أكثر الأمور إثارة لقلق الإحصائيين إبان الجائحة، حينما أصبح إجراء المقابلات الشخصية مستحيلاً، ولم يكن من الواضح مدى الاستفادة الناتجة عن البيانات الجديدة في الوقت الفعلي.

ومؤخراً، لفت ريان كامينغز الباحث لدى جامعة ستانفورد، وإرني تيديسكي مدير الاقتصاديات لدى جامعة ييل، إلى أن بيانات معنويات المستهلكين في الأشهر القليلة الماضية والقادمة من جامعة ميتشغان، كانت مُشوّهة، بسبب التحوّل إلى الاستجابة عن طريق الإنترنت. وبينما تشير البيانات غير المُعدّلة إلى انخفاض المعنويات في ربيع هذا العام، إلا أن البيانات المُعدّلة تشير إلى أن المعنويات ليست بذلك السوء.

وثمّة تهديد ثالث ينبع من تغير العالم بطرق يجد الإحصائيون صعوبة في التكيّف معها سريعاً. مثال على ذلك، الغموض الزائد الذي يكتنف اتجاهات الائتمان، بسبب التحوّل نحو الاقتراض من المؤسسات المالية غير المصرفية، أو صعوبة تحديد الاستثمار، على إثر ازدياد أهمية رأس المال غير الملموس.

من ناحية أخرى، يبدو أن ارتفاع الهجرة، كان التغير الحقيقي الذي تسبب في فوضى بالإحصاءات الرسمية في الولايات المتحدة. ويؤثّر ذلك في طريقة احتساب الردود على المسح السكاني الحالي، وربما يعني أن مقياساً مهماً لسوق العمل قلل من قدرة السوق على النمو. وفي الوقت ذاته، يشير مسح مختلف لأرباب الأعمال، إلى أن نمو الوظائف يسجل معدلات أقوى. وربما يستغرق الأمر حتى عام 2030، وإجراء التعداد السكاني التالي، حتى يتم حل هذا اللغز.

وبينما رأيت الكثير من المحللين في بريطانيا والولايات المتحدة يعربون عن قلقهم بشأن ماهية مصادر البيانات التي يمكن الوثوق بها، فلماذا لا يتضح مثل هذا التعمّق البحثي في مجال الإحصاء في الاتحاد الأوروبي؟.

أشار هولغر شميدينغ كبير خبراء الاقتصاد لدى مصرف «بيرنبرغ»، إلى أن بطاقات التعريف ونظام الرفاه في الاتحاد الأوروبي، يعنيان أن الكثير من بلدان التكتل ربما يتوفر لديها فهم أفضل لحجم سكانها. أما كارستن برجيسكي الخبير الاقتصادي لدى «آي إن جي ريسيرش»، فقال إن بيانات المسوحات ليست مهمة لصانعي السياسات، مقارنة بالبيانات التي تحويها سجلات البطالة. وهناك أيضاً حقيقة أن مسوحات القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي تتمتع بمعدلات استجابة تجعل الإحصائيين البريطانيين يشعرون بالغيرة.

لكن لا بد هنا من الإشارة إلى بعض التحفظات، حيث تنشر «يوروستات»، وكالة الإحصاءات في الاتحاد الأوروبي، معدلات الاستجابة لمسوحات القوى العاملة متأخرة كثيرة بثلاثة أعوام، إلى جانب تفضيل بعض الوكالات الوطنية عدم نشر أي شيء أكثر حداثة، وأقصد كلاً من فرنسا وإيطاليا. ولا تُعد الاتجاهات العامة مُشجّعة تماماً، حتى إن التحسينات الأخيرة في ألمانيا وإسبانيا والبرتغال، لم تعكس التراجع منذ عام 2017.

علاوة على ذلك، فإن كان انخفاض معدلات الاستجابة إلى المسوحات مسبباً للصعوبات، فربما يكون النقص النسبي لمصادر البيانات البديلة في أوروبا، معرقلاً لإمكانية التعرف إلى مدى الصعوبة. وتم الكشف عن المشكلات بكل من الولايات المتحدة وبريطانيا، بفضل المسوحات المختلفة التي تشير إلى أوضاع متباينة. ورغم أن معرفة قدر أقل مما كنا نعرف سابقاً أمر متعب، لكن ربما تكون معرفة أمور أقل من البداية، هي مكمن سر الحياة الأكثر هدوءاً.