روبن هاردينغ

يزخر الطريق السريع الذي يربط شنزن بدونغ غوان وغوانجو، ويمر بأحد أبرز معاقل الصناعة الصينية، بكافة أنواع المركبات تقريباً التي يمكن للسوق العالمية أن تقدمها. وتنساب سيارات «تويوتا» السيدان بين الشاحنات الصناعية.

فيما تقل سيارات «مايباخ» و«مرسيدس» الأنيقة المسؤولين التنفيذيين، وتحاول مركبات «تسلا» جذب الاهتمام بهدوء متشحة بلونها الأبيض الناصع، فيما تمضي سيارات أخرى عالمية مثل «فولكس فاغن» في طريقها لا تعبأ بما حولها.

لكن هذه المركبات لا تشكل سوى نصف الأسطول الذي يهيمن على الطريق. فإلى جانب هذه السيارات، تسير سيارات أخرى تحمل شارات غير مألوفة، مع أضواء أمامية غريبة الشكل، فيما يصدر محركها الكهربائي صوتاً غير مألوف هدير. إنها السيارات الصينية الحديثة التي تسيطر على سوقها المحلية، وتمضي قدماً في طريقها للسيطرة على الأسواق العالمية عما قريب.

ويتساقط ضحايا بالفعل في الخارج على إثر سيطرة السيارات الصينية على سوقها المحلية، إذ تعتزم «فولكس فاغن» إغلاق مصانع في ألمانيا للمرة الأولى وتسريح عشرات الآلاف من العمال، في ظل فقدانها لحصة بأكبر سوق للسيارات على مستوى العالم.

لكن هذه ليست سوى البداية، حيث تعلن الشركات الراسخة لصناعة للسيارات اعتزامها خفض التكاليف، وتتوسل للحصول على الإعانات وتطالب بفرض تعريفات جمركية، أقرها الاتحاد الأوروبي بالفعل، فيما تحاول التمسّك بالسيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.

وتتمسك هذه الشركات بإنتاج السيارات التقليدية في محاولة يائسة للحفاظ على الوظائف في قطاع صناعة السيارات. وإذا كان هدفها يقوم على الحفاظ على الوظائف في هذا القطاع الصناعي، فلن تبوء هذه الجهود سوى بالفشل.

ويعود ذلك إلى أن الصدمة ليست ناجمة عن الصين فقط أو المركبات الكهربائية، وإنما مزيج من الاثنين معاً.

من الأهمية بمكان إدراك لماذا كانت نظم دفع السيارات رمزاً للقوة الصناعية طيلة قرن. فقد كانت كل واحدة منها عبارة عن أعجوبة هندسية، تحوي آلاف القطع المتحركة المصنوعة لتتحمل عملاً شاقاً وجُمِعَت في حزمة مدمجة، بهدف أن تظل تعمل لأعوام بأمان على الرغم من الاهتزازات وسوء الاستخدام وتغير ظروف الطقس.

وكان من الصعب بالفعل تصنيع هذه الأجزاء. وعلى النقيض من ذلك، ليست المركبة الكهربائية إلا بطاريات تسير على إطارات، أي أنها لا تختلف كثيراً عن لعبة أطفال متطورة. كما تتسم سلسلة التوريد الخاصة بها ببساطة أكبر.

وتكمن غالبية القيمة التي تحملها هذه المركبات في البطارية، وهي نتاج تفاعلات كيميائية لا أجزاء ميكانيكية. لذلك من شأن المركبات الكهربائية تغيير وجه صناعة السيارات حتى دون الدور الصيني.

وتجيد الصين حقاً تصنيع المنتجات الكيميائية والكهربائية السلعية. وتتطلب هذه المنتجات حجم إنتاج ضخم، لكن مع رأس مال رخيص، وهوامش تشغيل منخفضة، ومعروض وفير من العمالة الفنية ميسورة التكلفة.

ويحق للمنافسين الأجانب أن يشعروا بكثير من بالضيق بسبب الإعانات التي تتلقاها الشركات الصينية المُصنّعة للسيارات، لكنهم كانوا سيظلون منافسين أشداء حتى بدون الإعانات. إذن، ما عسى الشركات الراسخة في قطاع تصنيع السيارات أن تفعله؟

ثمّة مجموعة من الخيارات الصعبة والسيئة التي يمكنها النظر فيها. يتمثل الخيار الأول في التعريفات الجمركية. فبالإضافة إلى كافة الأسباب الاقتصادية التقليدية التي لا تصب في صالح التعريفات.

فهي لا يمكنها سوى حماية سوق محلية، ما قد يكون داعماً للمستوردين الكبار مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. لكن هذا الأمر غير مجدٍ لدول مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي الدول التي تعتمد على صادراتها المربحة.

وهناك أيضاً أسواق مثل أستراليا والمملكة العربية السعودية، التي تتمتع بقوة شرائية هائلة لكن لا توجد لديها صناعة سيارات محلية إطلاقاً. ولا يوجد سبب لدى هذه الدول لفرض تعريفات جمركية على السيارات، ناهيك عن عدم وجود أسباب تدفعها إلى فرض تعريفات تمييزية ضد الصين.

وقد سلكت الولايات المتحدة اتجاهاً آخر في هذا الشأن، عن طريق دعم المركبات الكهربائية والمصانع الجديدة لإنتاج البطاريات. وقد يكون من السهل إشعال فتيل انطلاق صناعة ما، لكن الحفاظ عليها يكون صعباً للغاية إذا كان المنافس يتمتع بتكاليف منخفضة.

وفي الوقت الحالي، وبينما تبرز مصانع جديدة في ربوع الولايات المتحدة، إلا أن قانون الحد من التضخم الذي أقره الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يبدو وكأنه انتصار للسياسة الصناعية. لكن الأمر قد لا يبدو حاذقاً بهذا النحو بعد مرور خمسة أعوام.

وتُعدّ الألواح الشمسية مثالاً مفيداً. فقد قدمت أوروبا الكثير من الدعم لنشر الألواح الشمسية، وفرضت تعريفات جمركية على الألواح الشمسية صينية الصنع بين عامي 2013 و2018، وهي الفترة التي شهدت انهيار غالبية أعمال تصنيع الألواح الشمسية لديها.

لذا، سيتعين عليك دائماً أن تكون على قدر من التنافسية لكي تواصل العمل في المجال، فلا الإعانات ولا التعريفات الجمركية ستغيّر من الواقع الصناعي.

هناك أيضاً خيار سيئ آخر، وهو محاولة إجبار السوق على تبني تكنولوجيا مختلفة. فقد سعت اليابان و«تويوتا» سعياً حثيثاً إلى تبني بطاريات وقود الهيدروجين، ما يعود جزئياً إلى التعقيد الصناعي الأكبر الذي يعني عوائق أكثر أمام دخول الآخرين ميدان المنافسة.

وما بين كاميرات الأفلام وحتى طائرات كونكورد، لم تُبدِ السوق رحمة في غربلة التقنيات. وينطبق الأمر ذاته على مواصلة العمل بالسيارات التي تشغّلها محركات الاحتراق الداخلي. وإن كنت تعتقد أن تحول قطاع السيارات يجب وأن يحدث في أي لحظة، فما يجعلك تأخيره سوى أكثر تخلّفاً عن الركب.

مع ذلك تتوفر خيارات أفضل، حتى وإن لم تكن جيدة في الوقت الراهن. فإذا كانت المركبات الكهربائية ستطيح بالقيمة المضافة لمحركات الاحتراق الداخلي، فإن السؤال إذن يدور حول ماهية السلعة التي ستؤدي إلى تراكم القيمة.

وقد يكون من المنطقي استيراد البطاريات من الصين، والاحتفاظ بمسألة التجميع النهائي في السوق المحلية، والتركيز على تصميم وسائل الراحة، والتجربة، والأمان.

كما ستظل المركبات الكهربائية بحاجة إلى أشياء متقدمة مثل المكابح، ووسائد الهواء، والإطارات. ورغم أن اليابان لم تعد تصنع أجهزة التلفاز، فإن شركة «سوني» ما زالت تصنّعها، ما يقد يكون ترضية ما لقوتها العاملة التصنيعية السابقة.

هناك إلى جانب ذلك السباق للسيطرة على ما قد يكون أكبر مصدر للقيمة المضافة مستقبلاً في صناعة السيارات، سواء كان ذلك يتعلق ببرمجيات القيادة الذاتية، أو طلب السيارات عن طريق التطبيقات، أو الترفيه على متن السيارات.

ويتم تصنيع «آيفون» داخل الصين، لكن تنبع غالبية قيمة الهاتف من أشباه الموصلات الآتية من تايوان ونظام التشغيل من كاليفورنيا. أما هياكل السيارات ومكوناتها، فقد تصبح أقل الأجزاء أهمية.

وفي هذا السياق، من الصعب دعم مصنعين عمالقة مثل «تويوتا» و«فولكس فاغن» في مواجهة المنافسين بمجال البرمجيات، فحتى إن انتصرت هذه الشركات، فقد لا يكون هذا داعماً بالضرورة لمصانعها.

وستظل الصين منافسة شرسة في ميدان البرمجيات، وستظل «فولكس فاغن» تشعر بوخز المنافسة هي ونظيراتها. لذا، سيكون التظاهر بإمكانية تجنب هذا هو أسوأ ما يمكن فعله.