روبرت أرمسترونغ - إيدن ريتر
ارتبطت تحركات عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات أخيراً باحتمالات عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وفقاً لبعض التوقعات. ويرجع ذلك إلى أن فوز ترامب بالرئاسة قد يؤدي إلى عجز مالي أكبر مقارنة بفوز كامالا هاريس. وعادة ما يشير العجز الأكبر إلى وتيرة أقوى للنمو وسياسة نقدية أكثر تشدداً. إضافة إلى ذلك، هناك اعتقاد بأن سياسات ترامب المقترحة بشأن الهجرة والتعريفات الجمركية قد يكون لها آثار تضخمية.
لكن من المهم الإشارة إلى أن سوق التوقعات ليس دقيقاً دائماً فيما يتعلق بالانتخابات، وقد لا يمثل المتعاملون فيه عينة دقيقة للناخبين. وقد يكون قدر كبير من الارتباط بين ترامب والعوائد من قبيل الصدفة. ومع صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية القوية في الشهر الماضي أو نحو ذلك، فقد شجع ذلك على بيع كثيف للسندات، مع نهاية الفترة الإيجابية التي شهدتها هاريس في استطلاعات الرأي. لكن المنطق لن يكون مساعداً، إذا ما تمعنت في اتجاهات السوق. فقد أصبحت سردية أن «ترامب هو مرشح التوسع المالي، وربما التضخم أيضاً» مهيمنة على السوق، وستظل على هذه الحال حتى ظهور سردية أكثر إقناعاً.
في المقابل، فإن علاقة الارتباط بين ازدياد احتمالات فوز ترامب بالانتخابات وارتفاع الدولار، لم تحظ باهتمام كبير. وقد يعزى ذلك إلى أن الارتباط بين ارتفاع أسعار الفائدة وتصاعد العملة الخضراء واضح بجلاء. وطالما ارتفعت الفائدة الأمريكية مقارنة ببقية دول العالم، فإن ذلك يستتبعه صعود الدولار بصورة تلقائية تقريباً.
إذن، فبقدر ما تفسر العوامل المرتبطة بترامب ارتفاع العوائد، فهي تفعل الأمر ذاته على صعيد مكاسب الدولار. وثمة مفارقة هنا، تكمن في عدم تفضيل ترامب لارتفاع العملة الخضراء حيث يرى ترامب أن دولاً أخرى تلاعبت بعملاتها بحيث تنخفض مقارنة بالدولار، مما «يمثل أعباء مهولة على شركاتنا». وهدد ترامب بالاستجابة للأمر عن طريق فرض تعريفات جمركية. وكنا قد ذهبنا من قبل إلى أن دفع الدولار إلى التراجع أمام عملات رئيسة أخرى سيكون صعباً. وفي حين أن المسؤولين الاقتصاديين المحتملين الذين سيعينهم ترامب في الإدارة يفضلون دولاراً أضعف مثل روبرت لايتهايزر، إلا أن آخرين، مثل سكون بيسينت، يعتقدون في تفضيل ترامب لقوة الدولار سراً وأنه إنما يلوح بتهديد التعريفات الجمركية باعتبارها تكتيكاً في التفاوض. وبغض الطرف عن موقف ترامب الحقيقي من الدولار، فإن ارتفاع العملة تحسباً لتدهور الوضع المالي يُعد مثالاً دقيقاً على المكانة الخاصة التي تحتلها الولايات المتحدة في مشهد الاقتصاد العالمي. وتتسبب قوة الدولار في قدر من التأثيرات السلبية على الاقتصاد الأمريكي، إذ تصبح صادراتها أكثر تكلفة على سبيل المثال. لكن قوة الدولار تضر ببقية دول العالم، أيضاً مما يجعل الدولار أكثر قوة. لخص جوزيف وانغ، في منشور كتبه أخيراً على مدونته، الأمر برمته في عبارات موجزة:
وقال وانغ: «تتزايد احتمالية عجز مالي أكبر، ما يدفع بعوائد سندات الخزانة إلى الارتفاع، ويعزز من جاذبية الدولار. كما يدفع ارتفاع عوائد الخزانة عوائد السندات الأجنبية إلى التصاعد بدورها، على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الأضعف لدول أخرى. ويشي مزيج ارتفاع العوائد العالمية وقوة الدولار بتشديد عالمي للسياسات النقدية، مما قد يحفز مصارف مركزية أخرى على إقرار مزيد من تخفيضات الفائدة التي ستعزز قوة الدولار».
وسيستمر هذا الوضع المتناقض ذاتي التعزيز إلى حين «تنهار الأمور»، بحسب وصف وانغ، أي أن يفقد العالم رغبته في تمويل العجز الأمريكي في مقابل عوائد متواضعة. يذكرنا ذلك بما مرت به المملكة المتحدة في عام 2022. ولا يعلم أحد متى ستمر الولايات المتحدة بالأمر ذاته. لكن يكمن مصدر الطمأنينة الوحيد بالنسبة لنا في عدم حدوث الأمر بعد. وحتى وقوعه، خلص وانغ إلى أن «العجز الكبير سيكون إيجابياً للمخاطر»، مثلما كان الأمر خلال الأعوام الخمسة الماضية.
إذن، العجز ليس السبب الوحيد وراء قوة الدولار. وحسب إشارة تايلر كوين في مقاله المنشور على «بلومبرغ»، فإن قوة الاقتصاد الأمريكي ذي متطلبات الاستثمار المرتفعة تدعم الدولار، كما يدعمه أيضاً الافتقار إلى أصول دين بديلة آمنة وسائلة يصدرها اقتصاد مفتوح. ومع ذلك، يحتاج المستثمرون إلى تقبل أن العلاقة بين عملة الولايات المتحدة وسياستها المالية ستظل متناقضة.