كريستوفر غرايمز
ربما لم يكن هجوم الممثل روبرت دي نيرو على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مهرجان كان السينمائي هو الأسوأ، الذي أطلقه ممثل هوليوودي بحق ترامب مؤخراً، لكنه بلا شك كان الأكثر إثارة لغضب الرئيس، وجاءت تصريحات دي نيرو بعد أيام من إعلان ترامب نفسه «منقذاً لهوليوود»، التي وصفها بأنها تحتضر.
وواصل نجم فيلم «الثور الهائج»، الحائز لتوه جائزة السعفة الذهبية، سلسلة هجماته على ترامب، منتقداً على وجه الخصوص خطته لفرض رسوم جمركية بنسبة 100 % على الأفلام المنتجة خارج الولايات المتحدة، وقال دي نيرو ساخراً: «لا يمكنك وضع ثمن للإبداع... لكن يبدو أنك تستطيع فرض رسوم جمركية عليه».
وتعود المواجهات بين ابني نيويورك - دي نيرو المولود في مانهاتن، وترامب القادم من ضاحية كوينز البعيدة - إلى سنوات طويلة، فقد وصف ترامب دي نيرو بأنه «مجنون» و«فاشل تماماً»، بينما أطلق دي نيرو على ترامب لقب «طاغية».
ولا تمثل مناوشات دي نيرو مع ترامب سوى معركة واحدة ضمن حرب أوسع بين الرئيس الأمريكي وصناعة السينما، فرغم حصوله على نجمة في ممر المشاهير، إلا أن ترامب لم يحظَ قط بالتقدير، الذي يرى نفسه جديراً به من أوساط هوليوود، وهو ما عبّر عنه أحد كبار المنتجين بقوله: «إنك دائماً ما تتوق لنيل إعجاب من يحرمونك إياه».
وعلى الرغم من ظهور ترامب في مشاهد عابرة ببعض الأفلام خلال العقدين الماضيين فإن بصمته الحقيقية في عالم الترفيه تجلت من خلال برنامجي الواقع «المتدرب» و«مشاهير المتدرب» اللذين حققا نجاحاً كبيرا، غير أن هوليوود التقليدية تنظر إلى برامج الواقع باعتبارها فئة ثانوية، مهما حققت من أرباح طائلة. وقد عبر ترامب مراراً عن استيائه من عدم فوز برنامجه بجائزة إيمي التلفزيونية المرموقة رغم نجاحه الجماهيري.
«ظلت صناعة السينما دوماً الفتى المدلل في هوليوود، فيما بقي قطاع التلفزيون مجرد شريك صغير»، هكذا عبر أحد المديرين التنفيذيين المخضرمين في مجال الإعلام، مضيفاً: يزعم ترامب أنه يريد «إنقاذ» هوليوود، لكن ما يتوق إليه بشدة هو دخول بوابات استوديوهات السينما، والاستمتاع بأضواء الشهرة المبهرة.
وقد دشن ترامب فترة رئاسته الثانية بهجمات واسعة على شركات الإعلام والترفيه، حيث واجهت شركات عملاقة مثل ديزني وباراماونت دعاوى قضائية، بسبب تغطية أقسامهما الإخبارية لحملات انتخابات 2024، أما ما مر دون اهتمام كبير فهو تعيينه ثلاثة ممثلين يمينيين متقدمين في العمر – جون فويت وسيلفستر ستالون وميل غيبسون – «سفراء خاصين» لما وصفه بـ«المكان المضطرب للغاية: هوليوود، كاليفورنيا».
وتتمثل مهمة هؤلاء في إعادة الإنتاج السينمائي إلى هوليوود من المملكة المتحدة وكندا ونيوزيلندا، التي نجحت في جذب صناع الأفلام، بفضل حزم الحوافز الضريبية السخية التي تقدمها، وتنبأ ترامب قائلاً: «سنشهد عودة العصر الذهبي لهوليوود!».
ولا يبدو أن كثيرين في هوليوود يأخذون هذه التصريحات على محمل الجد، غير أن ترامب كان يشخّص مشكلة حقيقية، إذ تراجع الإنتاج السينمائي بشكل كبير في لوس أنجلوس عقب انهيار فقاعة منصات البث التدفقي، وإضرابات العمال عام 2023، والتي أوقفت عجلة الإنتاج لمدة ستة أشهر، وتسببت في ارتفاع تكاليف العمالة. وفي محاولة للتصدي لهذه الأزمة طرح حاكم كاليفورنيا، جافين نيوسوم، خطة للحوافز الضريبية السنوية بقيمة 750 مليون دولار، مضاعفاً الائتمان الضريبي الحالي، لكن بعض الأوساط في هوليوود تخشى أن يكون الأوان قد فات، حيث علق أحد المسؤولين التنفيذيين: «لا نريد أن نتحول إلى ديترويت أخرى».
وبعد اجتماع مع فويت - نجم فيلمي «رعاة بقر منتصف الليل» و«العودة للوطن»، ووالد النجمة أنجلينا جولي - في منتجع مارالاجو هذا الشهر، أعلن ترامب خطته للتعريفات الجمركية، ما أدى إلى انهيار أسهم شركات هوليوود ودخول الصناعة في حالة اضطراب. وبعد يوم واحد فقط تراجع ترامب عن خطته مصرحاً: «لا أسعى للإضرار بالصناعة، بل أريد مساعدتها».
وتعد هوليوود معقلاً للفكر الليبرالي، غير أنها في الوقت ذاته مليئة بصناع صفقات لا يعرفون الكلل. وعلى الرغم من هجماته المتكررة على مجتمع صناعة السينما فإن ترامب يسعى جاهداً لإضافة «إنقاذ هوليوود» إلى قائمة إنجازاته، وهو ما قد يشكل نقطة ضغط تستغلها الاستوديوهات، للتوصل إلى اتفاق مع الرئيس يمنحها حوافز ضريبية أكثر سخاء لإعادة جانب من الإنتاج إلى الأراضي الأمريكية.
وقد جرى بالفعل عقد اجتماع ضم كبار المسؤولين التنفيذيين من استوديوهات ديزني وأمازون ويونيفرسال بيكتشرز وباراماونت ونتفليكس وسوني ووارنر براذرز، لبحث خطواتهم المقبلة، فيما أرسلت نقابات العاملين في هوليوود خطاباً إلى ترامب تطالب فيه بمزيد من الإعفاءات الضريبية، مع ملاحظة الغياب الصارخ لأي إشارة إلى التعريفات الجمركية، ومن المرتقب أن يجتمع قادة الاستوديوهات مع الرئيس الأمريكي في القريب العاجل، حيث يظل اختيار النبرة المناسبة في التواصل مع ترامب هو المفتاح الرئيسي لنجاح أي مفاوضات.
«يتمتع أهل هوليوود بذكاء كبير، لكن ترامب شخص انتقامي للغاية، فلو تفوه أحدهم بكلمة غير مناسبة، فقد ينقلب رأساً على عقب»، وفق ما حذر منه أحد التنفيذيين في الصناعة.
