ألان ليفسي

شهدت أسعار الأسهم الأمريكية انتعاشاً حاداً خلال الأسبوع الماضي، مدفوعةً بالإعلان عن تقارب بين الولايات المتحدة والصين بشأن الحواجز التجارية بين البلدين.

وبحلول نهاية تداولات يوم الثلاثاء، نجح مؤشر «إس آند بي 500» في تعويض كامل خسائره منذ بداية العام الجاري، وذلك في أعقاب تقارير أفادت بخفض الولايات المتحدة للتعريفات الجمركية المقترحة على البضائع الصينية من 145% إلى 30% لمدة 90 يوماً، إلى جانب صدور بيانات تضخم جاءت أفضل من التوقعات.

لكن هذه الأخبار لا يتوقع لها أن تحدث تغييراً كبيراً، حيث يدرك الكثير من المستثمرين أن تنويع الاستثمارات بمنأى عن الدولار الأمريكي والانكشاف على الأسهم الأمريكية نهج يتمتع بالمنطق إلى حد ما، لا سيما في ضوء الانتعاش الهادئ الذي حققته العملة الخضراء وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية الأطول أجلاً.

ويرى إريك نوتزين، كبير مسؤولي الاستثمار المتخصص في الاستراتيجيات متعددة الأصول لدى شركة نيوبرغر بيرمان للاستثمارات، أن التراجع عن أعلى التعريفات الجمركية التي أعلنتها الولايات المتحدة ما زال يعني أن السياسة التجارية الحالية للولايات المتحدة شبيهة بتلك التي انتهجتها في أربعينيات القرن الماضي حينما سجلت الرسوم ما يقرب من 10%، وليست تلك الكارثية التي شهدتها الثلاثينيات.

وقال: «لا نشعر حالياً بأن سوق الأسهم الأمريكية هي المكان المناسب لنركز عليه حالياً».

وحتى عند غض الطرف عن التقلبات التي تعتري السياسة التجارية الأمريكية، فإن سياسات ترامب التي ترفع شعار «أمريكا أولاً» سوف تسرّع من وتيرة تراجع العولمة، ما من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للدول المستوردة وإبطاء النمو الاقتصادي للولايات المتحدة وشركائها التجاريين.

وتنضح الأوضاع بإشارات التحذير. فأولاً، تسبب تفوق أداء الأسهم الأمريكية في سيطرتها على المؤشرات العالمية، مثل مؤشر «إم إس سي آي» العالمي الذي يتابعه الكثير من المستثمرين المؤسساتيين.

وثانياً، كان هذا الوضع المهيمن مشجّعاً للتدفقات إلى الدولار الأمريكي. وبحلول شهر يناير من العام الجاري، وبحسب بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كان الدولار هو العملة الأقوى مقابل العملات الأخرى منذ عام 1985.

وأخيراً، تضافرت هاتان المسألتان معاً وتسببتا في التحوّل نحو الاستثمار السلبي في المؤشرات العالمية، وهو ما أتاح تحقيق كل من الأسهم والعملة لمكاسب متزامنة.

وفي الأعوام الخمسة حتى يونيو 2024، ارتفعت حيازات المحافظ الأجنبية من الأوراق المالية الأمريكية، سواء كانت أسهماً أم كافة أنواع الديون، بمقدار 10.3 تريليونات دولار، وفق ما أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية. وشكّلت التحولات الجذرية المتعلقة بحيازات الأسهم وحدها ما يربو على 8 تريليونات دولار من هذه القيمة.

وتبلغ القيمة السوقية لمؤشر «فوتسي أول شير»، بالمقارنة، 3.5 تريليونات دولار.

وأشار جون باتلر، الخبير استراتيجي في الاقتصاد الكلي لدى شركة ويلينغتون مانجمنت لإدارة الأصول، إلى أن نحو 50% من المدخرات العالمية التي يحتفظ بها المستثمرون في الخارج مُستثمرة حالياً في أصول أمريكية.

وقال باتلر: «سيسفر هذا عن صافي تدفقات خارجة لرؤوس الأموال خارج الولايات المتحدة وإلى أسواق أخرى»، وتابع: «ستكون لهذا تداعيات هيكلية على الدولار، والأسهم، وأسواق السندات الأمريكية».

وفي إشارة إلى ما يمكن أن يحدث، فقد غيّرت رؤوس الأموال الأجنبية اتجاهها إلى الأسواق اليابانية في أعقاب الاضطرابات التي تلت إعلان البيت الأبيض فرض التعريفات الجمركية في «يوم التحرير» الشهر الماضي.

وكشفت بيانات أبريل، التي صدرت الأسبوع الماضي عن وزارة المالية، عن شراء المستثمرين الأجانب صافي 8.2 تريليونات ين ياباني (ما يعادل 57 مليار دولار) من الأسهم والسندات.

وكانت هذه أكبر قيمة في أي شهر منذ 2005، وتتخطى كثيراً المتوسط المُسجل لشهر أبريل.

ولفت أحد مديري الأموال الأمريكيين ممن لديهم عملاء مؤسساتيون يابانيون بارزون، إلى أن هذا التحوّل يعكس توقفاً لشراء الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، وليس بيعاً كثيفاً للأصول الأمريكية.

لكن العملة الخضراء تسجل مستويات أقل بنحو 8% مقارنة بالمستويات المرتفعة المُسجلة في يناير الماضي.

ويعتقد نوا وايز، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي العالمي لدى شركة أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس لإدارة الأصول، أن بيانات التضخم والوظائف الأمريكية في الأشهر القليلة المقبلة قد تكون بمثابة محفّز لمزيد من التحوّلات ابتعاداً عن الدولار.

وستكون البيانات الرسمية الأمريكية التي تشمل تأثير سياسات ترامب التجارية مُتاحة للجميع بحلول الصيف المقبل.

وسيأتي هذا في الوقت ذاته الذي تنتهي فيه فترة الـ 90 يوماً للإيقاف المؤقت لأي تعريفات جمركية إضافية على الصين.

ومن شأن أي بيانات اقتصادية ضعيفة، بجانب تجدد النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أن تعيد التقلبات السوقية إلى صدارة المشهد.

ولفت وايز إلى أن احتمالات الخفض الفوري لأسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي ضئيلة.

وعلّق قائلاً: «يسجل التضخم الأمريكي مستويات أعلى المُستهدف في يومنا الحاضر، وسيواصل ابتعاده عن المُستهدف خلال الأشهر الستة المقبلة».

ولا ينذر ذلك بانهيار أسواق رأس المال الأمريكية، إذ يعتقد وايز أن أي حديث عن تخلّي المستثمرين الأجانب عن حيازاتهم في سندات الخزانة الأمريكية سابق لأوانه، لكنه تساءل: «هل يمكن للمستثمرين الأجانب سحب أصولهم بعيداً؟».

ويتوافق هذا مع وجهات نظر فريق الأصول المتعددة لدى «نيوبرغر بيرمان»، الذي لفت إلى أن السيولة لدى السندات الحكومية اليابانية، خاصة السندات طويلة الأجل، لا تكفي بما يساعد على تحويل رؤوس الأموال إليها. ومع ذلك، ثمة ما يتغير في سوق السندات الأمريكية.

وهناك دليل على أن حاملي سندات الخزانة الأمريكية الأقل حساسية لتغيرات الأسعار قللوا من انكشافهم عليها في الأعوام الأخيرة.

وتشمل هذه المجموعة مديري الاحتياطات في المصارف المركزية وصناديق الثروة السيادية، وهم الذين يُعتبرون شديدي المحافظة بصفة عامة في قراراتهم.

وبحلول نهاية شهر أبريل، كانت هذه المجموعة تحتفظ بما يزيد قليلاً على 36% من الديون الأمريكية، بحسب بيانات «جيه بي مورغان أسيت مانجمنت» والفيدرالي.

ويمثل هذا مستويات قريبة من قاع النطاق التاريخي المُسجل منذ عام 2012، ويقل كثيراً عن المستويات المرتفعة البالغة قرابة 47%.

وبالنسبة للمستثمرين في الأسهم، فقد كان هذا العام هو الذي سعوا فيه إلى تنويع الاستثمارات.

وشهدت السوق الأمريكية تداولات عند مضاعف ربحية آجلة قدره 27 مرة بحلول شهر فبراير، وهو ليس ببعيد عن المستوى المرتفع المُسجل خلال عقد، بحسب بيانات «إم إس سي آي».

ورغم أنه لطالما ساور المحللين القلق بشأن استمرار علاوة التقييم في سوق الأسهم الأمريكية مقارنة بالأسواق العالمية الأخرى، إلا أن هذا العام هو الوحيد الذي شهد محفزات للتغيير. علاوة على ذلك، فإن المحللين المنشغلين بإعلان تقديرات لأرباح الشركات الأمريكية لم يخفضوا توقعاتهم بعد.

وربما يُعزى ذلك إلى أن البيانات الاقتصادية الأمريكية لم تكشف بعد عن أي اتجاهات مثيرة للقلق. ومع ذلك، يرى بعض المستثمرين تغيراً يلوح في الأفق.

وقال هيو غيمبر، الخبير الاستراتيجي العالمي لدى «جيه بي مورغان أسيت مانجمنت»: «تباطأت تقديرات إجماع المحللين من نمو أرباح الأسهم بنسبة 14% خلال عام 2025 إلى نمو قدره 9%»، وأسهب: «لكني أتوقع نمواً بنسبة أقل من ذلك».

وقد بدأت أسواق الأسهم والعملات في إعادة تقييم مدى خطورة الاستثنائية الأمريكية حتى قبل الإعلان عن فرض التعريفات.

وأشارت هيلين جويل، كبيرة مسؤولي الاستثمار المتخصصة في الأسهم الأساسية لأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى «بلاك روك»، إلى بدء هذا الاتجاه مع صدور الأنباء في أواخر يناير بشأن القدرات التي تفوق التوقعات التي يتمتع بها نموذج ديب سيك الصيني للذكاء الاصطناعي.

وكانت الأنباء بشأن «ديب سيك»، وهي منافسة لشركة أوبن إيه آي الأمريكية، بمثابة تذكير بأن الولايات المتحدة لا تحتكر التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي. وتعتقد جويل أنه ما زال هناك مجال أمام إعادة تقييم الأسهم الأوروبية مقابل نظيراتها الأمريكية.

وأضافت: «كان هناك خصم بنسبة 34% على تقييمات الأسهم الأوروبية، ويسجل هذا الخصم حالياً نسبة تتراوح بين 30% و35%»، وذلك في معرض مقارنتها بين تقييمات الأسهم الأوروبية والأمريكية. وذكرت قائلة: «هذا الخصم سجل نسبة 20% تاريخياً».

وترى جويل أن أسهم المصارف الأوروبية، رغم قوة الأداء السعري هذا العام، ما زالت منخفضة السعر، لكنها تتوقع ألا يعود الخصم بصفة عامة تماماً إلى متوسطه السابق.

ولفتت إلى أن التقييمات الحالية للأسهم الأوروبية، والتي تُتداول مضاعفات أرباحها الآجلة عند 14 مرة، ستكون «في مستواها المناسب بمرور الوقت».

وفي الوقت ذاته، رجح هيو غيمبر من «جيه بي مورغان» احتمالات بمزيد من النمو في أوروبا، ما يعود إلى تنامي مستويات الاستثمار.

وقال: «كان الاستثمار الأوروبي بين عامي 2010 و2019 ضئيلاً، لكنه ينمو حالياً بنسبة 8%»، موضحاً بقوله: «هذا تغير جوهري، وسيكون هذا إيجابياً للنمو الاسمي، وسيأتي كذلك بنمو أكثر قوة لأرباح المؤسسات الأوروبية». وحفّزت هذه المعنويات القيام بتغييرات في مخصصات بعض مديري المحافظ.

وتشير نتائج آخر استطلاعات مديري الصناديق التي تحظى بمتابعة واسعة وتصدر عن «بنك أوف أمريكا»، إلى رفع المستثمرين لوزن الأسهم الأوروبية مقابل الأمريكية مقارنة بأي وقت منذ أكتوبر 2017.

ويُشار إلى أن الكثير من المؤشرات الأوروبية شهدت أداء جيداً هذا العام مقارنة بنظيراتها الأمريكية.