جون ثورن هيل

شهدت قاعة مجلس الشيوخ في واشنطن، منذ أيام، نقاشات حامية بين الساسة وقادة قطاع التكنولوجيا بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وسرعان ما تبلور إجماع واضح على حتمية تحرير هذا القطاع الحيوي من الأعباء التنظيمية، وتسريع وتيرة الاستثمارات فيه بشكل غير مسبوق، في مسعى جلي لاستباق الصين في خضم السباق التكنولوجي المحتدم.

في المقابل، طالت أوروبا سهام النقد والسخرية، إذ وُصفت بأنها «المتسابق الخاسر» في هذا المضمار، بعد أن كبّلت نفسها بما اعتُبر قيوداً تنظيمية «خانقة» للإبداع.

وقد طرح السيناتور الجمهوري تيد كروز سؤالاً مباشراً لكبار التنفيذيين التكنولوجيين: «ما حجم الضرر المتوقع إذا سلكت الولايات المتحدة مسار الاتحاد الأوروبي في وضع إطار تنظيمي متشدد للذكاء الاصطناعي؟»، ليأتي رد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، قاطعاً لا لبس فيه: «أعتقد أن ذلك سيكون كارثياً».

وتتصدر ثنائية «تحرير القيود وتسريع الابتكار» المشهد السياسي في واشنطن بعدما قام الرئيس دونالد ترامب بإلغاء الأمر التنفيذي الشامل الذي وضعه سلفه لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ليتبع ذلك إعلان الجمهوريين بضخ استثمارات هائلة تناهز التريليون دولار في هذا القطاع الحيوي، غير أن هذه الفلسفة التحررية لا تلقى الصدى نفسه عبر أنحاء البلاد، إذ تشير بيانات المؤتمر الوطني للهيئات التشريعية للولايات إلى إقرار 31 ولاية أمريكية لقرارات وقوانين تعنى بالذكاء الاصطناعي العام المنصرم، تتصدى لمخاطر محددة كتوظيف تقنيات التزييف العميق في العمليات الانتخابية، وممارسات التمييز في سوق العمل، وهشاشة منظومة حماية المستهلك.

ورصد المؤتمر نفسه هذا العام طرح 550 مشروع قانون جديد يتعلق بالذكاء الاصطناعي في 45 ولاية.

ورغم أن مصير غالبية هذه المبادرات سيكون الإخفاق، على غرار ما جرى لمشروع قانون الذكاء الاصطناعي الطموح في كاليفورنيا العام الفائت، إلا أن بعضها سيشق طريقه نحو التطبيق حتماً.

وفي هذا السياق، حذر دانيال كاسترو، مدير مركز ابتكار البيانات، من أن غياب الرقابة المركزية سيفضي إلى نشوء «شبكة معقدة من التشريعات المتناقضة تفتت السياسة الوطنية، وتكبح جماح الابتكار، وتضع عراقيل قانونية وتقنية أمام انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر حدود الولايات».

ويبدو أن الولايات المتحدة تتجه، في المشهد التنظيمي التكنولوجي، نحو نموذج قد يفوق في «تشدده» أوروبا ذاتها.

وقد دفعت هذه المخاوف الجمهوريين في مجلس النواب إلى المناورة بتعديل تشريعي يرمي إلى إلغاء قوانين الذكاء الاصطناعي القائمة على مستوى الولايات، مع فرض تجميد مؤقت على أي تشريعات مستقبلية لعقد كامل.

لكن هذا التحرك قوبل بانتقاد حاد من ممثلي الولايات وخبير الذكاء الاصطناعي البارز غاري ماركوس، الذين وجهوا في رسالة مفتوحة اتهاماً صريحاً: «عِقد من غياب التنظيم ليس مساراً للتقدم، بل هو تنصل صريح من المسؤولية».

في الوقت نفسه، سلط عدد من المعارضين الضوء على ازدواجية المعايير في النهج الجمهوري، المتمثلة في تقديس مبدأ سيادة الولايات حين يتعلق الأمر بتنظيم الحقوق الإنجابية للمرأة، مقابل التنكر لهذا المبدأ عينه عندما يتصل الأمر بحماية المستهلكين من نفوذ عمالقة التكنولوجيا. وتلوح في الأفق معركة قانونية ودستورية محتدمة بين واشنطن والولايات حول مركز السلطة التشريعية في تقنين - أو تحرير - القطاع التكنولوجي.

وأكدت أمبا كاك، المديرة التنفيذية لمعهد «إيه آي ناو»، أن المشهد التشريعي على مستوى الولايات يشهد «زخماً استثنائياً» لسد الفراغ الرقابي الناجم عن تقاعس واشنطن، مشددة على أن حكومات الولايات مصممة على التصدي لأكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي «بشاعة وضرراً وإشكالية».

وأضافت: «في ظل المناخ السياسي الحالي، تعد الولايات هي الجهة الوحيدة القادرة فعلاً على دفع هذا المسار التنظيمي إلى الأمام. أعتقد أن الولايات ترى بوضوح فجوة تشريعية، ولحظة مواتية لتحمل مسؤولياتها في هذا المجال».

غير أن تشتت التشريعات الولائية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، خاصة تلك المؤثرة في حماية البيانات الشخصية والمركبات ذاتية القيادة، يخلق تعقيدات حقيقية أمام العديد من الشركات.

وتوضح رامان شودري، المؤسس المشارك لمنظمة «هيومين إنتليجنس» غير الربحية والمسؤولة السابقة في إدارة بايدن، أن هذا الإشكال يتجلى بوضوح في قطاعات تقليدية كالخدمات المالية والرعاية الصحية، التي تتردد في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي لغياب الثقة في أنظمة غير مختبرة جيداً والافتقار لاستراتيجيات واضحة للتخفيف من مخاطرها، مشددة على أن التنظيم لا يقيد الابتكار، بل يمكّنه، مشيرة إلى ظاهرة «التصاعد التدريجي» للتشريعات من مستوى الولايات إلى المستوى الفيدرالي.

ويشي هذا المشهد بأن النشاط التنظيمي المتنامي للولايات قد يدفع واشنطن أخيراً للتحرك، خاصة مع ظهور أصوات داعمة لنهج تدخلي أقوى حتى ضمن معسكر «ماغا»، فقد صرح ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس ترامب، خلال مهرجان فايننشال تايمز ويك إند في العاصمة الأمريكية: «في الوقت الراهن، يخضع صالون تجميل الأظافر في واشنطن لقيود تنظيمية أكثر مما يخضع له هؤلاء الأربعة المنطلقون بلا حدود في مجال الذكاء الاصطناعي، وليس لدينا أدنى فكرة عما يجري فعلياً»، مضيفاً: «أعتقد أننا بحاجة إلى إطار تنظيمي محكم للذكاء الاصطناعي».

وحتى السيناتور كروز، المناصر التاريخي لتقليص دور الحكومة، يقر بضرورة التدخل في حالات محددة، إذ شارك مع السيناتورة الديمقراطية إيمي كلوبوشار في رعاية قانون «تيك إت داون» الأخير الذي يجرّم تداول المواد الجنسية المسيئة المُنتَجة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو التشريع الذي حظي أيضاً بدعم السيدة الأولى ميلانيا ترامب.

وعلى الرغم من توقع ظهور تحالفات غير مألوفة ومسارات متعرجة غير متوقعة، إلا أن قطار التنظيم قادم لا محالة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، حتى في الولايات المتحدة.