مارتن ساندبو
خلال الشهر الماضي، قدمتُ رؤيتين تحليليتين حول الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في التحليل الأول بينت أن عدداً كبيراً من المراقبين يتبنون، دون تدقيق، الادعاء المثير للشك بأن تقليص العجز التجاري سينعكس إيجاباً على تعزيز القطاع الصناعي، وقد أوضحت الأسباب التي تستدعي تعاملنا بحذر مع هذه الفكرة.
وفي التحليل الثاني، تناولت كيف أن فرض ضرائب على الواردات يلحق الضرر بالصادرات بالقدر نفسه، بل وربما أكثر، وفقاً لبعض النماذج التحليلية للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب؛ وعليه، لا ينبغي أن نتوقع أن تؤدي هذه السياسات إلى خفض العجز التجاري.
ويمكننا أيضاً أن نتناول القضية من زاوية ثالثة مغايرة، فقد غابت عن التحليلات الجارية تلك الدوافع القوية التي تجعل من مصلحة الولايات المتحدة الحفاظ على عجزها التجاري، ولماذا قد يتعامل الآخرون مع هذا الوضع بـ«تجاهل إيجابي».
لقد ترسخت قناعة تتجاوز بكثير دوائر ترامب، مفادها أن «الاختلالات» المالية العالمية شر لا بد من مكافحته. وأضع المصطلح بين علامتي اقتباس لتحفظي عليه، فهو يفترض ضمناً حالة عدم استقرار مؤقتة، كشيء فقد توازنه ولا يمكنه الاستمرار طويلاً، أما أنا فأميل لمصطلح «التباينات» كونه يصف الظاهرة بموضوعية أكبر دون أحكام مسبقة.
إن الفوائض والعجوزات الخارجية ما هي إلا انعكاس لكيفية توزيع الدول لمواردها بين الادخار والاستثمار، فالبلدان التي تدّخر أموالاً أكثر مما تستثمر داخلياً تحقق فوائض تجارية (أي تصدّر سلعاً أكثر مما تستورد)؛ ما يمكّنها من بناء استثمارات في الخارج. أما البلدان التي تستثمر أكثر مما تدّخر فتحقق عجوزات تجارية (تستورد سلعاً أكثر مما تصدّر)، وهذا يتيح لها الاستثمار دون الحاجة لخفض الاستهلاك المحلي بشكل كبير، مع تحمل التزامات مالية تجاه الدول المصدرة.
وهنا تكمن الرؤية المعاصرة للاقتصاد الدولي، فـ«الاختلالات» الخارجية نتاج لديناميكيات الاقتصاد الكلي وليست ظاهرة تجارية بحتة. ومن منظور مغاير، التدفقات المالية هي المحرك لأنماط التجارة الصافية وليس العكس، وهذا يفسر، كما أشرت سابقا، لماذا لا يمكن للسياسات التجارية أن تؤثر جوهرياً في ميزان العجز أو الفائض التجاري الصافي. (طبعاً، يمكن للسياسة التجارية أن تؤثر في حجم التبادل التجاري بين بلدين محددين، وكذلك في قطاعات معينة مثل أشباه الموصلات).
إنني أعتقد أن موقفنا المبدئي تجاه قرارات الادخار والاستثمار هذه ينبغي أن يكون محايداً أو إيجابياً، فكل دولة تختار بناءً على ظروفها ما إذا كانت ستكون «مدخرة صافية» أو «مقترضة صافية»، وعندما يسمح النظام المالي والتجاري العالمي بتوافق هذه الرغبات المختلفة، فإنه - من حيث المبدأ - يتيح لكل دولة تحقيق مصالحها مع احترام مصالح الآخرين، ومن يريد انتقاد هذه القرارات السيادية للدول، عليه إثبات أنها غير صائبة.
وثمة طروحات جلية سأتناولها بهدف تحييدها، أولها أن بعض الحكومات قد تتخذ قرارات نعتبرها غير صائبة، فبلد نامٍ مثل الصين كان بإمكانه السماح لمواطنيه باستهلاك المزيد دون تقليص الاستثمار. أو قد تكون هذه القرارات مخالفة لقيمنا السياسية أو الديمقراطية، كما حدث عندما تجاهلت النخب الأمريكية لفترات طويلة مصالح المناطق الصناعية المتدهورة، وهذه انتقادات مشروعة للقرارات الداخلية المتأثرة بالضغوط السياسية، لكنها لا تصلح كانتقادات للنظام المالي والتجاري العالمي نفسه.
على المدى القصير، هناك تفسير اقتصادي منطقي (مستوحى من أفكار كينز) لهذه المسألة، فالدولة التي تخفض الطلب المحلي وبالتالي تقلل وارداتها، أو تعمل بقوة على زيادة صادراتها لتوليد الطلب من مستهلكي الدول الأخرى، يمكن أن تتسبب في إبطاء النمو أو خلق ركود أو بطالة في دول أخرى قد لا تملك الأدوات المالية أو غيرها لمواجهة تلك الآثار، لذلك سميت هذه بـ«سياسات إفقار الجار».
لكنني أؤكد: هذه ليست إلا ظاهرة مؤقتة، فهي لا تصلح كحجة ضد الاختلافات الهيكلية طويلة الأجل، تلك التي تستمر عبر دورات الازدهار والكساد الاقتصادي، بما في ذلك فترات التوظيف الكامل.
مع ذلك يسود اعتقاد شائع جداً بأن الصين والدول الأخرى ذات الفائض الهيكلي تفرض على الولايات المتحدة عجزاً هيكلياً. وعند التفكير في هذا الطرح، نجد أن هذا مفهوم غريب، فسياسات بكين تستهدف بلا شك تعزيز فائضها الصافي، لكن لماذا نراها إكراهاً للأمريكيين، بدل النظر إليها كفرصة تتيح لهم الاستهلاك والاستثمار بتكلفة أقل، متى رغبوا في ذلك؟ ولو أراد الأمريكيون فعلاً موازنة حسابهم الخارجي، لأمكنهم فعل ذلك بطرق متعددة، أيسرها إجراء إصلاح ضريبي لا يؤثر على إجمالي الإيرادات الحكومية، لكنه يشجع الاستثمار في المشاريع المحلية ويقلل الاستهلاك.
وكون الأمريكيين يختارون عدم فعل ذلك يشير إلى أنهم يفضلون المزايا التي يجلبها العجز التجاري المستمر. وهم محقون في ذلك، كما سنكتشف عند النظر إلى هذه المزايا.
إن العجز الخارجي يعني أنه يمكنك الاستثمار بأكثر مما تدخر، أي أنك لست مضطراً لخفض استهلاكك بشكل كبير. وبالنسبة للولايات المتحدة، هذا يعني نحو تريليون دولار سنوياً من الاستثمارات الأمريكية الممولة من الخارج، أو ما يزيد قليلاً على 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وللمقارنة، يبلغ إجمالي الاستثمارات التجارية في أمريكا نحو 14%. وكما تشير البيانات، فإن الشركات الأوروبية تستثمر أقل بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، مع أن الاتحاد الأوروبي يحقق فائضاً تجارياً مستمراً.
والأمر الأكثر أهمية أن الشركات الأمريكية تتفوق على نظيراتها الأوروبية في الإنفاق على البحث والتطوير بفارق 1% من الناتج المحلي الإجمالي أيضاً. وقد ارتفع إجمالي الإنفاق الأمريكي على البحث والتطوير من نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عشر سنوات إلى 3.6% اليوم، وذلك بالتزامن مع توسع العجز الخارجي أيضاً. ومن الصعب تجاهل استنتاج واضح: أن تدفق الأموال الأجنبية المستمر إلى الولايات المتحدة هو بالضبط ما يمنحها تفوقها الحالي في مجال الابتكار.
ولنأخذ مثالاً: هذا التدفق يسمح للولايات المتحدة بإنفاق مبالغ ضخمة لبناء مراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة التي أحدثت صدمة عالمية تشبه إطلاق الاتحاد السوفييتي للقمر الصناعي «سبوتنيك»، وذلك دون الحاجة لتقليل الاستهلاك لتمويل هذه الاستثمارات الضخمة، التي يتوقع أن تتجاوز 300 مليار دولار هذا العام وحده، أي ما يعادل نحو ثلث عجز الحساب الجاري الأمريكي.
مثال آخر يتعلق بالحوافز التي قدمتها إدارة بايدن لصناعة أشباه الموصلات والصناعات الخضراء، حيث تضاعف الإنفاق على بناء منشآت التصنيع بمقدار ثلاثة أضعاف (بالقيمة الاسمية) ليصل إلى 240 مليار دولار خلال فترة اتساع العجز التجاري.
ومرة أخرى، قام المستثمرون الأجانب بتمويل استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، يُفترض أنها ستعزز الإنتاجية، ما جنّب الأمريكيين الحاجة للتضحية باستهلاكهم الحالي من أجل عوائد مستقبلية.
الفكرة المحورية هنا هي أن هذه الاستثمارات، وغيرها الكثير، تمثل مكاسب تسعى أمريكا جاهدة للحصول عليها. ومن دون العجز الخارجي، لن تتمكن من الحصول عليها إلا إذا قلصت استهلاكها، وهو بديل غير مقبول سياسياً، كما يتضح من التراجع الأخير في شعبية ترامب.
لكن ماذا عن موقف بقية العالم؟ عندما تحقق الدول الأخرى فوائض تجارية مع الولايات المتحدة، فإنها تبني لنفسها حقوقاً واستثمارات في الاقتصاد الأمريكي. لكن الأهم من ذلك أنها تتيح للشركات الأمريكية فرصة تحمل المخاطرة في استثمارات ضخمة لا تتم في اقتصادات الفائض نفسها. وسواء كان هذا المسار حكيماً أم لا فهذا يعتمد على كيفية تقييمك للمخاطر.
من جهة، تجلب الاستثمارات الضخمة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية ثروات هائلة إذا تمكنت الشركات المنفقة من حصد العوائد. لكن من جهة أخرى، إذا كانت هذه الشركات تقدم فقط الاستثمارات الأولية التي يمكن للآخرين نسخها لاحقاً بتكلفة منخفضة، كما حدث مع شركة «ديب سيك» الصينية، فستكون هذه الشركات قد قدمت دعماً غير مباشر لبقية العالم. وينطبق تحليل مشابه على قطاع أبحاث الأدوية.
لذلك، فإن مدى ارتياح بقية العالم لاستحواذ الولايات المتحدة على تمويل الاستثمارات يعتمد على تقييمهم للمخاطر المترتبة على ذلك. لكن هذا لا يشكل انتقاداً أساسياً لفكرة «الاختلالات» التجارية، بل هناك أسباب قوية تدعو العالم للامتنان لأمريكا. وفي الوقت نفسه، تبدو فوائد العجز التجاري بالنسبة للولايات المتحدة أكثر وضوحاً.
إن الأمر أشبه بحلم ترامب القديم عن بناء جدار عظيم وإرغام المكسيك على دفع تكاليفه، لكن هذا السيناريو أكثر قيمة بكثير، حيث تقدم أوروبا والصين الأموال طواعية دون الحاجة لإجبارهما على ذلك.
