روبرت أرمسترونغ - إيدن ريتر - هاكيونغ كيم

هناك ترحيب واسع ببعض البيانات الأخيرة، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين العام بنسبة 2.3 % فقط خلال شهر أبريل على أساس سنوي، وهي أدنى وتيرة تُسجّل منذ مطلع عام 2021.

لكننا من جانبنا نفضّل استبعاد مكوني الغذاء والطاقة، والتركيز على التغير الشهري المعدل سنوياً، باعتباره مقياساً أكثر سلاسة وواقعية. ووفق هذا المنظور، سجّل التضخم ارتفاعاً طفيفاً خلال الشهر الماضي.

ويظل الاتجاه الذي شهدته الأشهر الأخيرة قائماً، ويتمثل في حركة عرضية تتسم بالتقطّع عند مستوى يعلو مُستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 % بقليل، وهو أمر يبقى مزعجاً.

وكان ارتفاع أسعار الإسكان (وهي فئة معروفة بتقلباتها)، واحداً من العوامل البارزة وراء ارتفاع الأسعار خلال الشهر الماضي، لكنها لم تكن العامل الوحيد الذي يصعّب من تحقيق «الشوط الأخير» من انخفاض التضخم الأساسي. فتضخم الخدمات غير السكنية، وهي الفئة التي تمثّل مشكلة على وجه الخصوص بالنسبة للفيدرالي، لا ينخفض إلا بوتيرة بطيئة.

لا يعبأ أحد بشأن هذا الأمر في الوقت الراهن. لكن ما يهتم الجميع لأمره، هو ما إذا كانت تعريفات ترامب «التبادلية»، التي أعلنها في وقت مبكر من أبريل، وخفضها بصورة تدريجية، قد ظهر تأثيرها في ارتفاع الأسعار. والإجابة عن هذا هي: ربما، قليلاً.

فقد شهدت بعض الفئات شديدة الاعتماد على الواردات، ارتفاعاً خلال الشهر. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في التغيرات الشهرية التي طرأت على أسعار الأثاث، إذ تبدو الزيادة البالغة 1.5 % بين شهري مارس وأبريل مرتفعة قليلاً، لكن، من جديد، تتسم البيانات بالتقلّب، ومن الصعب الجزم بما إن كانت التعريفات هي السبب.

لا يعني هذا أنه ليس ثمة ما يمكن الحديث عنه هنا، بل على النقيض، فإن هذا اللا شيء، هو ما يجب التركيز عليه. وإذا كان هذا التأثير ناجماً عن التعريفات الجمركية، فإنه لم يكن كبيراً، وهي أخبار طيبة.

ويبدو أن تجار التجزئة لم يمضوا قدماً في تمرير زيادات كبيرة بالأسعار، تحسّباً للتعريفات الجمركية المُرتقبة. لكن الشهر الماضي قد يكون مختلفاً، ولا بد أن ننعم بالطمأنينة، من حيث يمكننا أن نظفر بها.

على صعيد آخر، شجّع سكوت بيسينت، وزيرة الخزانة، الكونغرس على التوصل إلى اتفاق لرفع أو تعليق سقف الدين الأمريكي، بحلول منتصف شهر يوليو المقبل.

وإذا لم يحدث ذلك، فستكون وزارة الخزانة بحاجة إلى اتخاذ تدابير استثنائية، لتفادي التخلف عن سداد مدفوعات الديون في أغسطس.

ونتوقع أن يتوصل الكونغرس إلى تسوية ما قبل حلول «التاريخ إكس»، فعواقب الإخفاق في التوصل إلى اتفاق، ستكون هائلة. وعموماً، فإنه مع مرور الأيام، بات «تخلّف البلاد بالكاد» عن السداد، أي أن يقرر الكونغرس رفع سقف الدين قبل أيام أو سويعات من نفاد الأموال لدى وزارة الخزانة، السيناريو الأكثر ترجيحاً، وسيكون الخطأ الوخيم أمراً يمكن تصوّره.

لكن كيف يمكن أن تتصرف الأسواق إذا استمرت المفاوضات لأمد طويل، مع دنو التاريخ إكس؟ إذا ما نظرنا إلى الحالات التي كادت فيها الولايات المتحدة أن تتخلّف عن السداد، مثل أعوام 2011 و2013 و2023، فسيمكننا معرفة ما قد تصير إليه الأمور.

- عقود مبادلة العجز الائتماني: تُعد عقود مبادلة العجز الائتماني على سندات الخزانة، وهي تحوّط مباشر ضد احتمالية تخلّف البلاد عن سداد ديونها السيادية، هي الأكثر استجابة، في ظل الوضع الحالي للموازنة الأمريكية.

وارتفعت تكلفة عقود مبادلة العجز الائتماني لأجل عام على سندات الخزانة في أعوام 2011 و2013 و2023 بصورة هائلة.

وتقترب تكلفة عقود مبادلة العجز الائتماني في الوقت الراهن من المستويات المُسجلة في عامي 2011 و2013.

ومع ذلك، فقد ارتفعت التكلفة بصورة أكبر في 2023. وهناك ثلاثة تفسيرات مُحتملة وراء هذا الأمر، فقد يكون السبب أن السوق أصبحت أكثر دراية بالمخاطر، بعد مرورها بعدة مرات قاربت الولايات المتحدة فيها على التخلّف عن السداد في العِقد الأول من الألفية، وبعدما أصبح الحديث عن العجز الأمريكي أكثر إلحاحاً.

وقد يكون السبب أيضاً، أن الفيدرالي كان بصدد تقليص ميزانيته العمومية في 2023 (أي التشديد الكمي)، وليس توسيعها (التيسير الكمي).

كما قد يكون السبب بكل بساطة، أن الدين الأمريكي كان أعلى بكثير، سواء من حيث القيمة المُطلقة، أو كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، في 2023، مقارنة بعامي 2011 و2013. ومع ذلك، تعتمل هذه الديناميكيات كلها في الساحة حالياً، وإن كان بدرجات متفاوتة. وقد ترتفع تكاليف عقود مبادلة العجز الائتماني كثيراً من الآن فصاعداً.

- الأسهم: تراجعت الأسواق بنحو طفيف في عامي 2013 و2023، قبل التوصل إلى اتفاق، ثم انتعشت قليلاً من بعد ذلك. وليس من الواضح ما إذا كان اقتراب التاريخ إكس هو السبب في ذلك، لكن كلاً من «غولدمان ساكس» ومركز سياسة الحزبين، أشارا إلى أن الشركات ذات الانكشاف العالي على الإنفاق الحكومي، مثل شركات البنية التحتية والدفاع، منيت بأداء ضعيف ملحوظ، مقارنة بالسوق قبل التوصل إلى الاتفاق.

وشهد عام 2011 استجابة أكبر من جانب الأسهم. ففي الأسابيع التي سبقت وتلت التاريخ إكس، والتي تمكّن الكونغرس من تفادي الوصول إليه بيومين فقط، انخفضت الأسواق بنسبة 17 %، وكان أكبر تصحيح منذ الأزمة المالية العالمية، التي وقعت قبل هذا التوقيت بثلاثة أعوام.

ومن جديد، ليس من الواضح لِم كانت الأمور مختلفة في عام 2011، وما كان السبب وراء استمرار خسائر السوق بعد التوصل إلى الاتفاق.

لعل هذا كان هو التخلّف الأول عن السداد، الذي كاد يحدث بعد الأزمة المالية العالمية، وبدا حينها العجز الأمريكي عن سداد الديون، وكأنه احتمالية حقيقية.

وكان اقتصاد الولايات المتحدة غير مستقر، وكانت منطقة اليورو واقعة تحت ضغوط هي أيضاً. وفي أعقاب ذلك، خفضت وكالة «ستاندرد آند بورز» تصنيف الولايات المتحدة الائتماني من AAA إلى +AA، على الرغم من توقيع الحكومة على الموازنة.

وربما كان خروج الولايات المتحدة من هذه الفوضى سالمة، هو ما جعل المستثمرين في الأسهم أقل حساسية، عندما قارب الكونغرس على الوقوع في الأزمة في المرة التالية.

- سندات الخزانة: تُظهر سندات الخزانة اتجاهات أكثر متانة، إذ تقفز عوائد سندات الخزانة الأقصر أجلاً، مع خفوت حركة عوائد السندات الأطول أجلاً.

ويُعد عام 2023، مثالاً جيداً على ذلك، فقد قفزت عوائد السندات لأجل شهر، وارتفعت عوائد السندات لآجال تتراوح بين 3 أشهر وعامين، بينما ظلت عوائد السندات الأطول أجلاً مستقرة في غالب الأمر.

وقد لا تصدر ردود فعل عن سندات الخزانة الأطول أجلاً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن مسألة التخلّف عن السداد ما زالت تبدو مُستبعدة. لكن قد تتغير هذه الأمور سريعاً، إذا ما تخلّفت الحكومة الأمريكية عن سداد أحد التزاماتها.

وتشير الوقائع السابقة، التي كادت فيها الولايات المتحدة تتخلّف عن السداد، مجتمعة، إلى أننا قد نشهد قفزة كبيرة في تكاليف عقود مبادلة العجز الائتماني، وعوائد سندات الخزانة، بالإضافة إلى ضغوطات نزولية على مؤشر «إس آند بي 500» صيف هذا العام، خاصة إذا واجه مشروع قانون ترامب بشأن الضرائب عقبات. لكن من المهم ملاحظة أن عام 2025 مختلف للغاية عن الأعوام 2011 و2013 و2023.

ففي الحالات الثلاث الأولى، كان الجمهوريون يسيطرون على غرفة واحدة على الأقل من الكونغرس، وكانوا يخوضون صراعات مع إدارة رئاسية ديمقراطية، بشأن خفض الإنفاق أو تجميده. لكن من الصعب قراءة المشهد هذه المرة، مع سيطرة الجمهوريين على مجلسي النواب والشيوخ، والرئاسة.

لكن توجد خلافات داخل الكتلة، ومُقترحات سياسية مفاجئة من جانب الرئاسة، وحزب ديمقراطي غائب عن المشهد. لذا، فإن تقدير احتمالات التخلّف عن السداد، أو ما هو أسوأ من ذلك، تتسم بصعوبة أكبر.

إذن، يواجه المستثمرون ديوناً ومشهداً اقتصادياً أكثر فوضوية. وتسجل الديون ومدفوعات الفائدة عليها مستويات أعلى، مقارنة بالحالات الثلاث السابقة، وثمة صعوبة أكبر في تحليل المشهد، بسبب عدم اليقين الذي تتسبب فيه التعريفات الجمركية، وصار الطلب الأجنبي على سندات الخزانة محل شكوك.

إن هدوء الأسواق، خاصة أسواق الأسهم، مع دنو حالات اقتراب البلاد من التخلّف عن سداد التزاماتها خلال العام الماضي، يشي بثقة واسعة النطاق في الولايات المتحدة، باعتبارها دائنة، وكذلك في الكونغرس، باعتباره مؤسسة مسؤولة. لكن ربما يكون هذا كله بصدد التغير.

وحسب ما أفاد به ألكساندر أرنون مدير تحليل السياسة لدى نموذج بين وارتون للموازنة: «تُعد المخاوف المؤسسية بشأن الحكومة الأمريكية، أعلى من أي مرحلة أخرى في العصر الحديث، وقد لا يكون الكونغرس قادراً على التحكم في مخاوف السوق». نأمل أن الأوضاع ليست على هذه الحال.