قبل أسبوعين، أثيرت عدة إشكاليات حول الرؤية التي ترى أن العجز التجاري يضر بالقطاع الصناعي، وحول وجود صلة مباشرة بين الإنتاج الصناعي المحلي ووظائف التصنيع.

لذلك، يصبح منطقياً السعي للسيطرة على العجز التجاري، والبحث عن «تجارة متوازنة». ويتفق عدد كبير من الأشخاص مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في هذه النقطة تحديداً، حتى أولئك الذين يختلفون معه بشدة في جميع المسائل الأخرى.

ما لم أتناوله بالتفصيل، هو كيفية تقليص العجز التجاري في المقام الأول (إذا اعتقدت أن ذلك فكرة جيدة)، وتحديداً، إذا كانت الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة، ستحقق فعلاً تجارة أكثر توازناً، لذا، أرغب هنا في شرح سبب استبعاد هذه الاحتمالية.

ويتعرض علم الاقتصاد أحياناً - بحق - للسخرية، بسبب تطويره نماذج وإحصاءات معقدة لإثبات ما يعرفه الجميع بالفعل، غير أن الاقتصاد في أفضل تجلياته، يمتلك أدوات تكشف أنه قد يسلك مسارات غير متوقعة، ويقدم معرفة جديدة، بدونها قد نتبنى سياسات تحقق نتائج عكسية تماماً، ولا يوجد مجال اقتصادي أغنى بهذا من نظرية التجارة الدولية.

وتُعد نظرية ليرنر للتماثل، أحد الاكتشافات البارزة في نظرية التجارة، فقد أثبت آبا ليرنر عام 1936، أن تعريفة الاستيراد وضريبة الصادرات، يولدان نفس التأثير الاقتصادي: تقليص كل من الصادرات والواردات، وهذا أمر محير، إذ يفترض منطقياً أن «معاقبة الواردات» ستقلص العجز التجاري (أو تزيد صافي الصادرات)، بينما فرض ضرائب على الصادرات، سيزيد هذا العجز (أو يقلص صافي الصادرات).

وهكذا، فإن الاعتماد على فهمنا البديهي في صياغة السياسات، قد يقودنا إلى نتائج خاطئة تماماً، فإذا كانت الرسوم الجمركية تضر بالصادرات بنفس درجة إضرارها بالواردات، فسيكون من العبث استخدامها لمعالجة عجز تجاري مفترض، ويزداد الأمر عبثية، إذا كان هدفك تحويل اقتصادك إلى مُصدِّر صناعي أكبر. ودعونا نتوقف قليلاً لفهم الأسباب المنطقية وراء صمود نظرية تماثل ليرنر.

يتمثل التأثير الأولي للرسوم الجمركية على الواردات، بطبيعة الحال، في رفع أسعار المنتجات المستوردة، ما يدفع المشترين للبحث عن بدائل، وهذا بالضبط هو الهدف المنشود، إذا أخذنا تصريحات ترامب على محمل الجد، غير أن السؤال الحقيقي يكمن في كيفية تلبية هذا الطلب، الذي يتحوّل نحو السلع المنتَجة محلياً؟، فطالما لا توجد موارد غير مستغلة بكثرة - والاقتصاد الأمريكي يعمل بكامل طاقته - سيتعين سحب الأيدي العاملة ورأس المال من قطاعات إنتاجية أخرى، وبعض هذه الموارد التي سيُعاد توزيعها، ستكون هي نفسها المخصصة أصلاً للتصنيع من أجل التصدير – وهو ما يفسر أحد أسباب تراجع الصادرات.

وتختلف الأمور بطبيعة الحال بالنسبة للاقتصاد، الذي يعاني من ركود، ويعمل دون طاقته الكاملة، حيث يمكن للتعريفات الجمركية أن تعزز الطلب الكلي - مع تخفيضه في بلدان أخرى - وتسهم في استعادة التوظيف الكامل، إلا أن هذا سيظل تأثيراً قصير الأمد. ولذلك، لا يعد أفضل وسيلة لتحقيق هذا الهدف.

سبب آخر يجعل التعريفات الجمركية تضر بالصادرات، يتمثل في أنه عندما تمتد سلاسل التوريد عبر الحدود، ترفع هذه التعريفات من تكلفة المدخلات المستوردة، ما يقوض إنتاجية قطاع التصنيع، ويجعله بالتالي أقل قدرة على التصدير، فالعديد من الصادرات الأمريكية، وخاصة السيارات، تحتوي على نسبة تصل إلى 20 % من المكونات المستوردة.

ثمة سبب ثالث، يتمثل في أن انخفاض الطلب على الواردات، قد يؤدي إلى تقوية العملة، وهذا الارتفاع يضر بالمصدرين - رغم أن الدولار الأمريكي سلك الاتجاه المعاكس، منذ إعلان ترامب عن التعريفات في «يوم التحرير».

وقد تناولت نظرية ليرنر الأصلية اقتصادات بسيطة ومتوازنة، وقد أوضح تحليل لكل من أرنود كوستينو وإيفان فيرنينغ، كيف أن النتيجة القديمة تنطبق بشكل جيد على حالات أكثر واقعية، تتسم بتجارة غير متوازنة، ومنافسة محدودة، وتحيزات سلوكية، واستثمارات عابرة للحدود، وتعديلات غير مثالية للأسعار.

كما قدم جيسبر ليندي وأندريا بيسكاتوري من صندوق النقد الدولي، تحليلاً آخر، يوضح متى تعمم النظرية، والظروف التي لا تصمد فيها، وكلا العملين من عام 2017، ولعله من غير المستغرب، ظهور العديد من الأوراق البحثية التي تسعى لتحديث نظرية ليرنر، بعد فترة وجيزة من تولي ترامب منصبه للمرة الأولى.

وبالنظر إلى هذه الخلفية النظرية، يمكننا فهم النتائج المذهلة لتقديرات معهد كيل حول تداعيات «يوم التحرير» - كتطبيق عملي لتماثل ليرنر، فقد خلص جوليان هينز وإيزابيل ميجان وموريتز شولاريك، إلى أن سياسة ترامب التجارية (حتى 9 أبريل، مقارنة بنهاية 2024)، ستؤدي إلى انكماش التجارة بين الولايات المتحدة والصين بنحو النصف، وربما بنسبة تتجاوز 70 % على المدى الطويل.

وعندما ننظر عن كثب إلى ما سيحدث للصادرات، فتشير التوقعات إلى تراجع الصادرات الأمريكية بنسبة 17 %، ما يعادل نحو 500 مليار دولار، وفق المستويات الحالية، وهو انخفاض يفوق تراجع وارداتها من الصين، والأهم أنه يمثل هبوطاً أكثر حدة، مقارنة بتراجع الصادرات الصينية أو الصادرات العالمية ككل (كلاهما بنحو 5 %)، ورغم أن الباحثين لم يذكروا مقدار انخفاض إجمالي الواردات الأمريكية، فقد طلبت من شولاريك التحقق من الأرقام، إذ يُقدر نموذجهم انخفاضاً إجمالياً بنسبة 5 % في الواردات، ما يعادل نحو 200 مليار دولار، أي أقل بكثير من خسائر الصادرات المتوقعة، فإذا كانت هذه التقديرات قريبة من الواقع، فسيؤدي نهج ترامب إلى توسيع العجز التجاري بشكل دائم، وليس تقليصه، كما يدعي.

ويكمن الفارق الأساسي بين الصين والولايات المتحدة، في أن الأخيرة وحدها ترفع الرسوم على جميع الشركاء التجاريين (بينما تقتصر الإجراءات الصينية على الرد ضد الولايات المتحدة فقط)، ما يعوق قدرة المستوردين والمنتجين الأمريكيين على إيجاد بدائل للمنتجات الصينية، في حين تستطيع الصين استبدال الواردات الأمريكية المنشأ، واستكشاف أسواق جديدة لصادراتها، وكما قال مارتن وولف، فإنه: «إن تعويض الطلب المفقود أسهل من تعويض الإمداد المفقود»، خاصة إذا لم تفرض ضريبة على محاولات التعويض.

الدرس المستفاد هنا، أن فرض ضرائب على أي جانب من التجارة، يعادل فعلياً فرض ضرائب على حركة التجارة بشكل عام، أي في كلا الاتجاهين، فهل يعني ذلك أن السياسة التجارية لا يمكنها التأثير في الميزان التجاري إطلاقاً؟ لا، فعند رفع التعريفات إلى مستوياتها القصوى، ستتوقف التجارة تماماً، وهنا يتحقق التوازن التجاري بحكم التعريف (صفر واردات وصفر صادرات).

من الممكن إذن القضاء على العجز من خلال التعريفات، لكن ذلك قد يتطلب عملياً، عزل البلاد عن الاقتصاد العالمي، والسؤال الذي تبلغ قيمته تريليون دولار: هل يملك ترامب الجرأة للذهاب إلى هذا الحد؟ وإذا فعل، كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع الانتقال إلى نظام اقتصادي شبه مكتفٍ ذاتياً، وكيف سيستطيع بقية الاقتصاد العالمي التكيف مع غياب لاعب بحجم الاقتصاد الأمريكي؟.