يتزايد إقبال المستثمرين الأوروبيين على شركات طائرات «الدرون» الناشئة، وقد تجسد هذا الاهتمام في الجولات التمويلية الضخمة، التي حصدتها شركتا «كوانتوم سيستمز» الألمانية و«تيكيفر» البرتغالية، حيث جمعت كل منهما مئات الملايين من اليوروهات، ما رفع القيمة السوقية لكل شركة إلى أكثر من مليار يورو.

يأتي هذا التدفق الاستثماري في خضم مساعي الدول الأوروبية الحثيثة لتعزيز قدراتها الدفاعية، وتتزايد أهمية هذه المساعي في ظل المخاوف المتصاعدة من احتمال تراجع الدعم العسكري الأمريكي للقارة، لا سيما بعد التهديدات المتكررة، التي أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن سحب الدعم العسكري من حلف شمال الأطلسي.

وتختص الشركتان بإنتاج طائرات مسيّرة ذات استخدامات «مزدوجة»؛ أي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء، وهو قطاع يشهد اهتماماً متزايداً في ظل استمرار الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، حيث تستخدم طائرات الدرون على نطاق واسع في عمليات الاستطلاع والمراقبة.

وحصلت شركة «كوانتوم سيستمز»، التي تتخذ من ميونيخ مقراً لها على تمويل بقيمة 160 مليون يورو، بقيادة شركة «بالدرتون كابيتال، ومشاركة كل من «هانسولد» و«إيرباص للدفاع والفضاء»، وبلغت قيمة الشركة بعد الجولة التمويلية أكثر من مليار يورو، وفقاً لمصادر مطلعة. وقال فلوريان سيبيل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي المشارك في «كوانتوم سيستمز»: «الهدف هو جعل ساحة المعركة شفافة، وتوفير معلومات استخباراتية جوية في الوقت الحقيقي من كل نقطة على الجبهة. لا يمكنك أن تطلق النار إلا إذا كنت تعرف أين تطلقها، لذلك تحتاج إلى عيون في السماء».

كذلك أعلنت شركة «تيكيفر» التي تأسست في البرتغال عام 2001 عن حصولها على تمويل بعشرات الملايين اليوروهات من مستثمرين، بقيادة شركة «فينتورا كابيتال»، وأكد رئيسها التنفيذي ريكاردو مينديز، أن تقييم الشركة تجاوز مليار جنيه استرليني، لكنه رفض الكشف عن القيمة الدقيقة للتمويل الجديد. وكانت «تيكيفر» قد جمعت في العام الماضي 70 مليون يورو في جولة قادتها شركة «بايلي غيفورد»، وشارك فيها صندوق الابتكار التابع للناتو.

وبحسب بيانات صادرة عن صندوق الابتكار في الناتو ومجموعة الأبحاث «ديلروم» ارتفعت الاستثمارات في الشركات الأوروبية الناشئة العاملة في قطاع الدفاع والتقنيات المرتبطة به بنسبة 24 % خلال عام 2024، لتصل إلى 5.2 مليارات دولار.

وتجمع تكنولوجيا «كوانتوم» بين أجهزة وبرامج الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لبناء أنظمة ذاتية لـ«الاستخبارات الجوية» في الوقت الفعلي. وقد استخدمت منتجاتها من قبل دول تشمل ألمانيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.

وكانت «كوانتوم سيستمز» واجهت في بداياتها صعوبات في تسويق طائراتها المسيّرة للاستخدامات الزراعية، ما دفع الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي فلوريان زايبل، وهو طيار مروحي سابق في الجيش الألماني، إلى تغيير المسار نحو القطاع الدفاعي. وقال زايبل: «شركات الدفاع التقليدية بطيئة، ومكلفة، ومتعجرفة»، مشيراً إلى أن توقيت إطلاق منتجها الجديد تزامن مع بداية الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022.

وسجلت الشركة إيرادات بقيمة 110 ملايين يورو العام الماضي، ويتوقع زايبل أن تتجاوز الإيرادات 200 مليون يورو هذا العام، بدعم من قدرات إنتاجية موزعة في عدة دول قادرة على تصنيع ما يصل إلى 4 آلاف طائرة مسيّرة سنوياً بمواصفات متنوعة.

وقالت رنا يارد، الشريك العام في «بالدرتون كابيتال»، إن «كوانتوم» قادرة على التوسع بسرعة، لتصبح من أبرز شركات التكنولوجيا الدفاعية في أوروبا، مشيرة إلى تنوع قاعدة عملاء الشركة وتطبيقاتها، التي تشمل إلى جانب المجال العسكري، قطاعات مثل التعدين، والبنى التحتية، وخدمات الطوارئ. وأضافت: «هدفنا هو الاستثمار في شركات قادرة على النمو حتى في عالم يسوده السلام. من غير المسؤول أن نستثمر في شركة لا تتفوق إلا في أوقات التوترات الجيوسياسية».

وقد دفع واقع ساحات القتال في أوكرانيا إلى نمو متسارع في قطاع التكنولوجيا الدفاعية الأوروبي، إذ اجتذبت شركات مثل «هلسنغ» ومقرها ميونيخ مئات الملايين من اليوروهات في تمويلات مشابهة.

وفي السياق ذاته قال ريكاردو مينديز، الرئيس التنفيذي لشركة «تيكيفر»: إن الحرب بين روسيا وأوكرانيا جعلت جميع الحكومات الأوروبية تدرك أن طبيعة التكنولوجيا المستخدمة في الميدان قد تغيرت بشكل جذري، مؤكداً أن الطلب المتزايد دفع الشركة إلى مضاعفة طاقتها الإنتاجية سنوياً، مع توقعات بإنتاج أكثر من 200 نظام طائرات مسيّرة هذا العام.

وتنتج «تيكيفر»، التي تمتلك عمليات أيضاً في المملكة المتحدة، طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لأغراض الاستطلاع والمراقبة. وقد استُخدم طرازان من منتجاتها، هما «إيه آر 3» و«إيه آر 5»، على نطاق واسع في أوكرانيا، ما أسهم في تنفيذ ضربات دقيقة بالاعتماد على معلومات استخباراتية لحظية، وتشمل قاعدة عملاء الشركة كلاً من «الوكالة الأوروبية للسلامة البحرية» و«وزارة الداخلية البريطانية».

وأوضح مينديز أن التمويلات الجديدة ستسهم في دعم خطط الشركة الاستثمارية في المملكة المتحدة، حيث تعهدت بضخ استثمارات بقيمة 400 مليون جنيه استرليني خلال السنوات الخمس المقبلة، مؤكداً أن الشركة تحقق أرباحاً فعلية حالياً.