جانان غانيش

أظهرت استطلاعات الرأي، أن نسبة التأييد الشعبي للرئيس دونالد ترامب، بعد مرور مئة يوم على توليه منصبه، بلغت 39 %، وهو رقم يعد الأدنى لرئيس أمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد أدى ذلك إلى انقسام حاد في المشهد الأمريكي بين فريقين متباينين: الأول يرى في هذا الرقم المتدني جوهر القصة وخلاصتها، بينما يستغرب الفريق الآخر هذه النسبة، التي يرونها مرتفعة، رغم كل العثرات، وهو فريق يبدو أكثر إلماماً بحقيقة المشهد السياسي الأمريكي ومعطياته المتشابكة.

لكن ثمّة مبالغة واضحة في تضخيم حجم رد الفعل الشعبي المناهض للرئيس ترامب، فالإحصاءات تكشف واقعاً مغايراً تماماً: 6 % فقط من مؤيديه في انتخابات نوفمبر الماضي، يعربون عن ندمهم على خيارهم الانتخابي، وهي نسبة تقابلها 3 % من ناخبي كامالا هاريس.

وذلك رغم سلسلة القرارات المثيرة للجدل، التي اتخذها ترامب منذ توليه السلطة، بدءاً من الحرب الجمركية، مروراً بالموقف المحرج تجاه الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي، وصولاً إلى استغلال موقع الرئاسة للترويج لسيارات تسلا.

وتجدر الإشارة إلى أن ترامب سجل تدنياً مماثلاً في شعبيته قبل ثماني سنوات، ومع ذلك، فقد نافس بشراسة في الانتخابات، قبل أن يفوز بها أخيراً في 2024، وهو ما يطرح سؤالاً محورياً:

ما الرسالة التي يوجهها الناخب الأمريكي حين يتغاضى عن انتهاكات دستورية جسيمة، لكنه لا يصفح عن الإخفاقات الاقتصادية؟ وهل في هذا التناقض ما يبعث على ارتياح التيار الليبرالي؟.

لقد واجه ترامب مساءلة رئاسية مرتين، الأولى لابتزازه أوكرانيا بهدف تشويه صورة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، والثانية لمحاولته الانقلاب على نتائج انتخابات رئاسية، أزهقت خلالها أرواح، ومع ذلك، لم يجد الناخبون في هذه الأفعال ما يستدعي استبعاده. وإذا ما كانت تراجعات الأسهم هي ما سيدفعهم للانقلاب عليه الآن، فلنقبل ذلك، لكن دون ابتهاج أخلاقي مفرط.

وتكشف استطلاعات الرأي عن أنه لا تزال هناك أقلية معقولة من الناخبين، تفوق الثلث، باتت عصية على الاستمالة، وهي ليست إشكالية انتخابية للديمقراطيين القادرين على الفوز بدونها، بل تحدٍ وجودي للنظام الدستوري الأمريكي ذاته، إذ كيف يمكن لجمهورية الصمود في ظل كتلة ضخمة من المواطنين يفوق ولاؤهم لشخص واحد، أو حزب معين، ولاءهم للمبادئ والمؤسسات الوطنية؟.

وما الذي يدفع الناس إلى هذا «التخندق» الحاد؟ ولماذا يظل الدعم الأساسي لترامب صلباً كالصخر تقريباً؟ إذا كنت تعتقد أن المشكلات الكبرى لا بد أن تنطوي على أسباب كبرى، فثمة سبب واحد يبرز بوضوح:

بالنسبة لبعض الناخبين، أضحت «القبيلة السياسية» بديلاً وظيفياً للانتماء الديني، الذي تراجع في المجتمع الأمريكي، حيث بات شعور الانتماء الجماعي ثميناً، لدرجة تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية.

وقد تكون الصورة أكثر تعقيداً من ذلك، فثمة تأثير لمنصات التواصل الاجتماعي، لا يحظى بالاهتمام الكافي، حيث كان بإمكان المواطن في الماضي أن يتخلى عن موقف سياسي ندم عليه دون إحراج يذكر، تماماً كمشهد هومر سيمبسون الشهير بـ(مسلسل عائلة سيمبسون)، وهو يختفي متراجعاً بين الشجيرات، وذلك لأن الجميع كانوا سينسون موقفه الأصلي، أما اليوم، فغالباً ما يخلف الإنسان وراءه أثراً رقمياً على شكل تغريدة أو منشور فيسبوك أو رسالة واتساب.

وأصبح لدينا الآن ما يسميه الشباب «فواتير»، توثق مواقفنا السابقة، ما يجعل الكلفة الاجتماعية لتغيير الرأي والاحتكاك الناتج عنه أعلى بكثير. وقد تحولنا جميعاً إلى كتّاب أعمدة، حتى لو اقتصر جمهورنا على دائرة الأصدقاء والعائلة والزملاء فقط.

وهنا يتعين أن نتذكر أنه في عام 2003، أيدت غالبية البريطانيين - وليس مجرد أكثرية – شن حرب على العراق، وفق استطلاعات مؤسسة «يوغوف»، لكن بعد عقد «تذكرت» البلاد أنها تبنت هذا الموقف، حتى بات من الصعب اليوم العثور على من يعترف بتأييده للغزو.

وسواء كان السبب تقنياً أم نفسياً مرتبطاً بالحاجة للانتماء الجماعي في عالم مفكك، فالنتيجة واحدة: ستظل شريحة واسعة ممن انضموا لحركة «ماغا» قبل عقد تقريباً، في مواقعها حتى النهاية، رغم أن رد الفعل المناهض لترامب في الأسابيع الأخيرة، يبدو كافياً لبث روح التفاؤل في صفوف الديمقراطيين، قبل انتخابات التجديد النصفي في 2026، لكنه لا يبرر التفاؤل المفرط بشأن مستقبل النظام الجمهوري.

وحتى لو أدت السياسات الاقتصادية الحالية إلى ركود يقوض شعبية ترامب بشكل كامل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة وجود وعي جماعي بأهمية الدفاع عن الدستور.

والمفارقة أن شريحة كبيرة من الناخبين الذين استنكروا المعاناة الاقتصادية في عهد بايدن، قد يتغاضون عن آلام اقتصادية أشد قسوة تحت حكم ترامب، مدفوعين بدوافع الانتماء الحزبي والولاء الأيديولوجي.

إن الولايات المتحدة تعد النموذج الأبرز لظاهرة الانغلاق السياسي، لكن جميع الديمقراطيات العالمية، تشهد وجود شرائح من الناخبين مستعصية على الاستمالة. ويمكن بوضوح رصد هذه الظاهرة في المشهد البريطاني.

حيث فاز حزب «الإصلاح البريطاني»، بقيادة نايجل فاراج، في الانتخابات المحلية الأسبوع الماضي، ما دفع النخبة السياسية التقليدية للاستجابة بصياغة استراتيجيات متعددة النقاط، لاستعادة مؤيدي فاراج، تتضمن بنوداً لتحفيز النمو الاقتصادي، وكأنه اكتشاف غير مسبوق.

من الناحية التحليلية، يمكن تقسيم مؤيدي فاراج إلى فئتين: مؤيدون متأرجحون، يمكن استعادتهم من خلال تحسينات في الأداء الحكومي وسياسات عملية أكثر استجابة لاحتياجاتهم، لكن سيتعين على التيار الليبرالي في مرحلة ما، الاعتراف بحقيقة جوهرية: الديمقراطيات الغربية باتت تضم مجموعة ضخمة من الناخبين، لا يمكن استعادتها في المدى المنظور.

ولعل نقطة الانطلاق تكمن في وضع ما يسمى بالثورة الشعبية ضد ترامب، في إطارها الواقعي، حيث كشف استطلاع أجرته كلية إيمرسون، أن المجموعة التي فضلت ترامب على هاريس بفارق 1.2 نقطة مئوية، في نوفمبر، ستختاره الآن مجدداً، بفارق 0.8 نقطة مئوية فقط، وهو فرق يصعب وصفه بالتحول الجذري، فهناك فرق بين الامتنان للنعم الصغيرة، وبين المبالغة في تقدير أهميتها.