أليكس روجرز- جيمس فونتانيلا خان- كانا إيناغاكي- جيمي سميث
عندما شنّ دونالد ترامب حربه التجارية في الثاني من أبريل، أدرك الملياردير الجمهوري كين لانغون، أحد كبار ممولي الحزب، وهو من مؤسسي شركة «هوم ديبو»، أن هذا التوجه سيُلحق ضرراً فادحاً بالشركة التي ساهم في جعلها أبرز سلسلة متاجر للأدوات المنزلية في أمريكا.
ومع استمرار ترامب في مسار ما أسماه «يوم التحرير»، وفرضه رسوماً جمركية باهظة على الصين، بدأت مخاوف لانغون تتعاظم؛ إذ اعتبر، كما كثير من الخبراء، أن هذه الرسوم تشكل فعلياً حظراً شبه تام على السلع القادمة من أكبر مصدر في العالم. لذلك، جاء الرد على ذلك التوجه على مستويين:
أولاً: أصدرت الأسواق المالية حكماً قاسياً، حيث شهدت السندات الأمريكية، والدولار، والأسهم العالمية موجة بيع حادة أدت إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية، ما أثار مخاوف من اندلاع أزمة مالية.
وقد أثارت تحركات سوق السندات قلق ترامب، الذي بدا وكأنه على وشك الوقوع في أزمة مشابهة لتلك التي أطاحت برئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس بعد شهر ونصف الشهر فقط من توليها المنصب. كذلك فقد تحركت الشركات الأمريكية، فمن وادي السيليكون إلى حقول النفط الصخري، ومن جيمي ديمون، رئيس «جي بي مورغان»، إلى تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «آبل»، أطلق كبار قادة الأعمال في العالم حملة عاجلة، بعضها علني، بينما كان معظمها خلف الكواليس، في محاولة لسحب ترامب من حافة الهاوية.
ونجحت هذه الجهود جزئياً. ففي الأسابيع الأخيرة، تراجع ترامب عن بعض الرسوم المتبادلة، واستثنى معظم السلع القادمة من كندا والمكسيك من التعريفات، ووفر إعفاءات واسعة لشركات صناعة السيارات، كما ألمح إلى نيته تقديم مساعدات مالية للمزارعين الأمريكيين. ولذلك، استعادت أسواق الأسهم كثيراً من خسائرها.
ووصف براين بالارد، أحد أبرز قادة جماعات الضغط الجمهوريين في واشنطن، ما حدث بأنه «إعصار من التحركات» داخل العاصمة، حيث سارع كثير من الشركات إلى التأثير على الجهات المقربة من ترامب. وقد استغل بعض المديرين التنفيذيين العلاقات الشخصية التي أقاموها مع ترامب بعد فوزه بالانتخابات، وخلال رحلاتهم إلى مارالاغو أو إلى حفل تنصيبه الفخم في واشنطن في يناير، والذي موله العديد منهم شخصياً.
وأشار كين لانغون إلى أن حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترامب قد أيقظت «وحوشاً قوية ضارية» داخل مجتمع الأعمال في أمريكا، وهذه الوحوش لديها مطالب واضحة.
وقد أدرك كبار التنفيذيين في قطاع السيارات العالمي هذا الدرس بسرعة. إذ شكل «يوم التحرير» ضربة قاسية لصناعتهم، بعدما فرض ترامب رسوماً جمركية ليس فقط على خصوم مثل الصين، بل أيضاً على حلفاء رئيسيين مثل ألمانيا وبريطانيا. وحتى بعد إعلان ترامب تعليقاً مدته 90 يوماً لمعظم الدول -باستثناء الصين- بقيت واردات السيارات المصنعة في الخارج إلى الولايات المتحدة خاضعة لرسم جمركي بنسبة 25%.
وأدركت شركات التصدير الكبرى مثل «بي إم دبليو» و«مرسيدس» و«فولكس فاغن» أنها لم تعد قادرة على الاعتماد فقط على الدبلوماسيين الألمان أو الساسة الأوروبيين، وأنه يتعين عليها التحرك بنفسها. وفي 18 أبريل، التقى بالفعل كبار التنفيذيين في شركات السيارات الألمانية الثلاث بترامب في اجتماع مغلق بالبيت الأبيض سعياً للحصول على إعفاءات. في الوقت ذاته، كثف رؤساء الثلاثة الكبار، «فورد»، و«ستيلانتيس»، و«جنرال موتورز»، جهودهم الخاصة في الضغط على الإدارة الأمريكية.
وبالفعل، منح ترامب بعض التنازلات لشركات صناعة السيارات، مستثنياً قطع غيار السيارات من عدة رسوم جمركية، كما قدم حسومات لتعويض تكلفة بعض الرسوم التي ظلت قائمة. ورغم أن ذلك لم يكن انتصاراً كاملاً، إلا أنه أتاح لترامب زيارة ولاية ميشيغن الأسبوع الماضي والترويج لحزمة الإنقاذ التي قدمها لقطاع السيارات، رغم استمرار بعض الرسوم الجمركية. وقال ترامب أمام أنصاره: «نمنحهم بعض الوقت قبل أن نذبحهم إذا لم يحسنوا التصرف».
كذلك، حض حلفاء ترامب الآخرون من الشركات الأمريكية الكبرى على التراجع عن الهاوية، محذرين من تأثير كارثي على القطاعات التي تعهد الرئيس بالدفاع عنها.
ومن بين هؤلاء الملياردير هارولد هام، قطب النفط الصخري، الذي تولى تنسيق تبرعات قطاع النفط والغاز لحملة ترامب الانتخابية. وقال هام: «لقد تحدثت مع ترامب عن التأثير الذي قد تُحدثه الرسوم على أسعار النفط، لا سيما في مناطق مختلفة من البلاد». وقد أثار تراجع أسعار النفط عقب الإعلان عن الرسوم مخاوف من تباطؤ جديد في قطاع النفط الصخري، الذي يُعد من كبار المشغلين ومن أبرز مصادر الإنتاج.
وحذره هام أيضاً من أن بعض المصافي تعتمد بالكامل على النفط الخام الكندي، الذي كان في مرمى الرسوم الجمركية لترامب قبل أن يخفض الأخير الرسوم على واردات الطاقة من الجارة الشمالية.
وفي حين أن التراجع المفاجئ في سوق السندات وارتفاع العوائد بعد الإعلان عن الرسوم الجمركية أثار قلق ترامب، الذي أوفد وزير الخزانة سكوت بيسينت لتهدئة الأسواق، فقد بدأت أيضاً أصوات من الاقتصاد الحقيقي تُعبّر عن مخاوفها.
وقال كين لانغون، وفقاً لأحد المطلعين على الأمر: إن تصريحاته لصحيفة «فاينانشال تايمز» الشهر الماضي، التي قال فيها إن الرئيس «يتلقى نصائح سيئة» وإن بعض الرسوم «محض هراء»، قد وصلت إلى ترامب. لكن لانغون رفض التعليق على الرسوم الجمركية مجدداً هذا الأسبوع عبر متحدث باسمه.
وكانت سلاسل البيع الكبرى، التي تُعد الأكثر تأثراً بتقلبات مزاج المستهلك الأمريكي، قد حذرت في لقاءات خاصة من أن الرسوم ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وقد تتسبب في خلو الأرفف من البضائع.
واجتمع كل من دوغ ماكميلون، الرئيس التنفيذي لشركة «وولمارت»، وبراين كورنيل، الرئيس التنفيذي لشركة «تارغت»، وتيد ديكر، الرئيس التنفيذي لشركة «هوم ديبو»، مع ترامب في البيت الأبيض. ونبه هؤلاء الرئيس الأمريكي إلى أن الرسوم الجمركية التي يفرضها ستؤدي إلى مزيج سام من اضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع في الأسعار، ونقص في المخزون، بحسب موقع «أكسيوس».
وقد تكررت مثل هذه التحذيرات على لسان عدد من التنفيذيين خلال مؤتمرات إعلان الأرباح في الأسابيع الأخيرة، وانعكست كذلك في تراجع أرقام مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان.
وتمكن تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «آبل»، من تأمين إعفاءات من الرسوم الجمركية التي بلغت نسبتها 145% على المنتجات المستوردة من الصين، والتي تُستخدم في تصنيع هواتف «آيفون» وغيرها من الأجهزة التي تصممها الشركة في ولاية كاليفورنيا.
وفي حين أن أولئك الذين سعوا للتأثير بهدوء على الرئيس حصلوا على تنازلات، أدت المعارضة العلنية إلى بعض المواجهات المؤلمة. فقد، أدان البيت الأبيض ما وصفه بأنه «تصرف عدائي وسياسي من شركة أمازون»، وذلك بعد تقارير أفادت بأن عملاق التكنولوجيا يعتزم التنبيه إلى أن ارتفاع أسعار منتجاته يأتي بسبب رسوم ترامب الجمركية.
وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، تحدث مؤسس أمازون، جيف بيزوس، مع الرئيس بهدف طمأنته بأن شركته «لم توافق أبداً» على مثل هذه الخطة. ولذلك، قال ترامب: «كان جيف بيزوس لطيفاً جداً. لقد كان رائعاً. حل المشكلة بسرعة كبيرة، وتصرف بشكل صائب».
وبدأت وول ستريت، بدورها تتجنب انتقاد الرئيس علناً، رغم أنها كانت تتوقع منه أن يكون أكثر تعاطفاً مع مصالحها، لكنها وجهت سهامها بدلاً من ذلك إلى مكاتب المحاماة التجارية وجهات أخرى.
وقال أحد كبار التنفيذيين في أحد المصارف الكبرى في وول ستريت، والذي يحافظ على اتصالات منتظمة مع إدارة ترامب: «لطالما كان ترامب عنصراً مسبباً للاضطراب، وقد استهان الجميع بحجم هذا الاضطراب، ونحن جميعاً بدأنا ندرك ذلك متأخرين».
وأوضح المسؤول التنفيذي أن زملاءه في القطاع المالي تعلموا أن الأفضل هو إرسال رسائل غير مباشرة عبر سكوت بيسينت، لتوضيح كيفية تضرر أعمالهم وأعمال عملائهم من الرسوم الجمركية.
ورغم أن شخصيات مالية بارزة وجهت نداءات علنية إلى ترامب لتخفيف بعض خططه، إلا أن التراجع الحاد في سوق السندات كان أكثر تأثيراً. وقد تعزز ذلك بتصريحات تحذيرية من جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لأكبر بنك في أمريكا، من احتمال دخول الاقتصاد في حالة ركود.