جدعون راشمان

يُعرف الاتحاد الأوروبي ببراعته في فن التفاوض وإبرام الصفقات. وتُعد القمم التي تختتم أعمالها في الساعات الأولى من الصباح سمة مميزة لأروقة بروكسل، حيث يخرج منها المفاوضون وقد أنهكتهم الجولات الطويلة، حاملين معهم اتفاقيات جديدة ذات طبيعة معقدة.

يتبنى الاتحاد الأوروبي منهجاً في التفاوض يختلف جذرياً عن أسلوب البيت الأبيض، فإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معروفاً بالاندفاع والتحرك السريع وطرح مطالب «متطرفة» مع ميل لتجاوز جميع القواعد الدبلوماسية التقليدية، فإن الأوروبيين يميلون إلى النهج القانوني المنظم والمنهجي مع البحث المستمر عن الحلول الوسط والمقايضات المتوازنة.

وعلى الرغم من أن أسلوب ترامب يبدو أكثر إثارة ويخلق عناوين إعلامية أفضل، إلا أن نهج الاتحاد الأوروبي - برغم ما يتسم به من رتابة - يحقق نتائج أكثر فاعلية على المدى البعيد. وتتجاوز المفاضلة بين نهجي التفاوض - نمطية بروكسل أو عشوائية مارالاغو - حدود قضايا الكبرياء، إذ يتعلق مستقبل الاقتصاد العالمي برمته بنتائج هذا الصراع المحتدم. فالطرفان يسعيان حالياً لصياغة اتفاقيات تجارية جديدة مع شركاء عالميين، لكنهما يحتاجان بشكل عاجل لتسوية خلافاتهما الثنائية قبل مطلع يوليو المقبل، وهو الموعد المحدد لانتهاء فترة التسعين يوماً التي علق خلالها ترامب تطبيق ما يسميه بالتعريفات «المتبادلة» مع الاتحاد الأوروبي.

وتكتسب هذه المفاوضات أهمية استثنائية نظراً لأن حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجال السلع يفوق بشكل ملحوظ حجم التجارة بين الولايات المتحدة والصين، ناهيك عن أن التجارة عبر الأطلسي في قطاع الخدمات أكثر كثافة وأهمية.

وتبلغ الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على السلع الأوروبية حالياً 10%، لكن من المقرر أن ترتفع إلى 20% في يوليو المقبل. كما يعاني الاتحاد الأوروبي بشدة من الرسوم الأمريكية البالغة 25% المفروضة على السيارات الأوروبية والصلب والألمنيوم، مع وجود تهديدات بفرض رسوم إضافية على قطاع المستحضرات الصيدلانية.

ومع ارتفاع حدة المخاطر، تبذل المفوضية الأوروبية جهوداً حثيثة لنزع فتيل المواجهة التجارية مع إدارة ترامب، متجنبةً انزلاقها نحو صراع أيديولوجي أو اختبار للإرادات، لكن المسؤولين الأوروبيين وجدوا التعامل مع نظرائهم في واشنطن أمراً مربكاً ومحيراً، إذ تكمن إحدى أكبر العقبات في عدم وضوح من يملك في إدارة ترامب سلطة حقيقية للتفاوض واتخاذ القرارات الملزمة.

ويقدم الجانب الأوروبي عرضاً لشراء المزيد من المنتجات الأمريكية، لكنهم لا يستطيعون قبول تعريفات دائمة بالمستويات الحالية المرتفعة. ويخشى بعض المحللين في بروكسل أنه بحلول يوليو قد تلجأ إدارة ترامب ببساطة إلى تمديد النظام الحالي لفترة تفاوضية إضافية مدتها 90 يوماً.

وعندها سيواجه الاتحاد الأوروبي معضلة اتخاذ قرارات صعبة: هل يرد أخيراً على الإجراءات الأمريكية وبأي مستوى من الإجراءات المضادة؟ والافتراض السائد بين المحللين هو أن الأوروبيين سيشعرون بالاضطرار للرد. والسؤال المهم الذي يلي ذلك هو ما إذا كان هذا الرد الانتقامي سيقتصر على تجارة السلع، حيث يملك الاتحاد الأوروبي ما يخسره أكثر، خاصة أن صناعة السيارات الأوروبية معرضة للخطر بشكل خاص.

وتمثل شركات التكنولوجيا الأمريكية هدفاً أكثر جاذبية بكثير للإجراءات الأوروبية المضادة مقارنة بمنتجي دراجات هارلي-ديفيدسون، غير أن كبار المسؤولين في بروكسل قد يضطرون أيضاً للتفكير في سيناريو مقلق: احتمالية أن ترد إدارة ترامب على أي عقوبات تستهدف القطاع التكنولوجي الأمريكي بشكل غير تقليدي من خلال سحب القوات الأمريكية من أوروبا، وهو ما يعرضها بشكل أكبر للتهديدات الروسية.

وأمام هذا المشهد المأزوم – والذي تفاقمه عدم القدرة على التنبؤ بتحركات البيت الأبيض - يمارس الأوروبيون ما جبلوا عليه: التريث والتحرك بحذر شديد. فقد مضى أكثر من شهر بقليل منذ إعلان ترامب عن تعريفات «يوم التحرير»، وتغيرت معطيات كثيرة في المشهد العالمي خلال هذه الفترة القصيرة، ويبقى المؤكد الوحيد أن الشهرين القادمين سيشهدان مزيداً من الاضطرابات والتقلبات.

وعلى غرار نظرائهم الصينيين، يترقب الأوروبيون ظهور فجوات على رفوف المتاجر الأمريكية، ويدركون أن التعريفات المحتملة على المستحضرات الصيدلانية - رغم إيلامها الشديد لأوروبا - قد تفجر ردة فعل عنيفة داخل الولايات المتحدة مع ارتفاع أسعار الأدوية الأساسية بشكل صاروخي.

والسيناريو الأمثل لأوروبا هو أن تتضح التناقضات والخسائر الذاتية في استراتيجية الرسوم الجمركية التي ينتهجها ترامب مع اقتراب يوليو، وهو ما يفتح الباب أمام صفقة أفضل بكثير من هذه المطروحة حالياً. وتصر المفوضية الأوروبية على عدم استنزاف طاقتها التفاوضية في مسعى احتواء أضرار مع واشنطن، إذ أفرزت حرب ترامب الجمركية العالمية ظاهرة لافتة تتمثل في تزايد ملحوظ لعدد الدول الساعية للتفاوض على اتفاقيات تجارية مع بروكسل.

فقد زار وزير التجارة الهندي بيوش غويال العاصمة البلجيكية منذ أيام، ومن المرتقب توقيع اتفاق جديد بين لندن وبروكسل قريباً - يزيح أشد العقبات التي خلفتها تداعيات البريكست. كما دشنت دولة الإمارات مفاوضات للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي قبل أسابيع، واستؤنفت محادثات أستراليا المتوقفة منذ زمن، بينما ينتظر اتفاق مع تكتل ميركوسور اللاتيني التصديق النهائي. وحتى بكين تبدي رغبة في إعادة الدفء للعلاقات التجارية مع بروكسل - رغم الحذر الأوروبي المتوقع في هذا المسار.

وتُفاجأ الدول التي تهرول نحو بروكسل بالوتيرة البطيئة والطابع البيروقراطي لنهج الاتحاد الأوروبي؛ فالاتفاق الذي قد ينجزه ترامب في غضون أسابيع، يحتاج في أوروبا إلى سنوات من التفاوض. غير أن أحد المفاوضين التجاريين الأستراليين يلخص المفارقة قائلاً: «الميزة في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي أنك حين تتوصل أخيراً لاتفاق معهم، تدرك تماماً أنهم سيلتزمون به».

وقد نجح الاتحاد الأوروبي بالفعل في توقيع ضعف ما أبرمته واشنطن من اتفاقيات تجارة حرة، وهو مؤهل تماماً لإبرام المزيد خلال المرحلة المقبلة. فرغم تعقيداته وما يكتنفه من إحباطات، يظل نموذج فن الصفقة على الطريقة الأوروبية أكثر رصانة واستمرارية من نظيره الترامبي.