السكر، محبوب الصغار والكبار، حتى وإن وصفه وزير الصحة الأمريكي روبرت إف.
كينيدي جونيور بالسم، لكن بالنسبة للمستثمرين، كانت تقلبات أسعاره أكثر مرارة من حلاوته، حيث شهدت الأسعار تراجعاً ملحوظاً بعد ارتفاعها في النصف الثاني من 2023. ووفقاً لما تشهده أسواق السلع عادة، فإن السكر غريب إلى حد كبير.
فأسواق هذه السلعة بالذات لا تتحرك وفق القواعد، شأنها شأن طفل صغير انقض لتوّه على كيس الحلوى.
وتتأثر أسعار هذه السلعة سلباً بسبب الطقس المعتدل وانخفاض أسعار النفط، وهما عاملان يثبّطان المطاحن البرازيلية عن تحويل قدر أكبر من قصب السكر إلى إيثانول. ففي البرازيل، يخضع قصب السكر إلى عملية تخمير تحيله إلى وقود بمجرد انخفاض أسعار السكر دون ما يتراوح بين 15 و16 سنتاً أمريكياً للرطل.
وتتزايد تقلبات الأسعار في غالب الأحوال. ودأبت الحكومات على التدخل في الأسواق منذ الحروب النابليونية، حينما حاصرت السفن البريطانية الطرق الملاحية من جزر الكاريبي وحتى فرنسا. وتغيرت ديناميكيات التجارة منذ ذلك الحين، وتأتي فرنسا والمملكة المتحدة من بين أكثر من 100 دولة منتجة للسكر. لكن ما يقارب الـ 70% من المعروض العالمي من السكر يأتي أساساً من البرازيل.
وقلّصت أوروبا سياسات الدعم والإغراق التي تبنتها في أواسط العقد الأول من القرن الحالي، ولم تلغِ سياسة الحصص إلا في عام 2017. وفي الولايات المتحدة، تسجل أسعار السكر هناك ضِعف المستويات الدولية تقريباً. أما الهند، وهي أكبر مستهلكة والمنتجة الثانية عالمياً، فتحد من صادراتها من السلعة.
ومن الواضح أن إضعاف شهيتنا نحو الحلويات يتطلب ما هو أكثر من السياسات الفوضوية التي يعتمدها الرئيس الأمريكي. وقد توصل معهد الدراسات المالية، وهو مركز بحثي في المملكة المتحدة، إلى أن استهلاك البريطانيين من السكر تزايد في واقع الأمر خلال الأزمة المالية.
وعلى نحو أوسع نطاقاً، يتزايد الاستهلاك جنباً إلى جنب مع النمو الاقتصادي ونمو عدد السكان. فتشهد كل من الهند، وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، ارتفاعاً في الاستهلاك. ولعله من الصعب الحصول على قياس دقيق للطلب النهائي، في ضوء الميل إلى استخدام السكر في كل شيء تقريباً بداية من صلصة الكاتشب وحتى البطاطا المقلية.
لكن تشير تقديرات «سي زد أدفايس» إلى بلوغ استهلاك البريطانيين من السكر ذروته في ستينيات القرن الماضي. وتبقى الهند أكبر مستهلكة للسكر خاصة في ظل تنامى كل من الثروات والتعداد السكاني.
ومن المُنتظر أن تقف كل من الصحة والعلوم لتكون من أكبر العوائق أمام الطلب مستقبلاً. ويأتي ذلك مع تراجع شعبية الأطعمة فائقة المعالجة. ومن المُرجح أن تقلل أدوية إنقاص الوزن، مثل الببتيد الشبيه بالجلوكاجون - 1 «جي إل بي - 1»، التي تثبّط الشهية، من الاستهلاك.
ويستلزم التاريخ القصير للعقار حذراً بشأن آثاره على المدى الطويل، لكن من الممكن أن نقول إن العقار ستكون له تداعيات واسعة النطاق على الاستهلاك. ويود روبرت كينيدي جونيور لو ترى عيناه الولايات المتحدة صفرية استهلاك السكر المُضاف، غير أنه يقر بأن هذا حلم بعيد المنال.
وتوصل استطلاع أُجري في العام الماضي إلى أن ثمانية من كل عشرة من البالغين الأمريكيين جربوا استخدام عقارات الببتيد الشبيه بالجلوكاجون - 1. وستزيد العقارات الجنيسة منخفضة التكلفة، التي ستدخل السوق في الصين والبرازيل والهند مع انتهاء صلاحية براءات الاختراع في العام المقبل، من استهلاك هذه العقارات.
لكن لا داع للقلق، فإدمان الحكومات على السياسات الحمائية، والذي يعود إلى قرون ماضية، من المؤكد أنه سيحد من أي انتعاش مستقبلي للسكريات.
