جيليان تيت

قبل ثماني سنوات شهدت الأوساط التجارية الأمريكية بداية واعدة لرائد الأعمال ستيفن بوريلي.

انطلق الشاب الطموح من الساحل الغربي في عالم التجارة الإلكترونية برأسمال متواضع قدره 50 ألف دولار، جمعه من محيطه الاجتماعي، ليؤسس شركة «كاتس» المتخصصة في بيع الملابس عبر الإنترنت.

لقد تمكن بوريلي من تحويل مشروعه الناشئ إلى كيان تجاري مزدهر بالاعتماد على إدارة ذكية لموارده الذاتية، إلا أن الوضع اختلف تماماً الآن، حيث يجد بوريلي نفسه بحاجة ماسة إلى طوق نجاة مالي، فمثله كمثل العديد من المستوردين الذين يعتمدون على الصين وفيتنام يواجه الآن انتهاء العمل بنظام «الحد الأدنى»، الذي كان يعفي الواردات الصينية منخفضة القيمة من الرسوم الجمركية، بالإضافة إلى المعاناة من تداعيات الزيادات الأوسع في التعريفات الجمركية.

وحتى إذا تمكن من تحميل جزء من هذه التكاليف على الموردين والعملاء يظل التحدي الأكبر أمام بوريلي هو إيجاد الأموال اللازمة لسداد فواتير التعريفات، فضلاً عن تمويل الاستثمارات المطلوبة لنقل سلسلة التوريد الخاصة به، ويبدو أن البنوك تتردد في تقديم التمويل، بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي، والمشاكل المرتبطة بالتعامل مع الصين.

ويقول بوريلي: «أنا أدعم رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد صوّت له مراراً، لكننا نحتاج إلى وقت للتكيف، وإلا فسنشهد إفلاس الآلاف من الشركات».

وينبغي على المستثمرين – وقبلهم ترامب نفسه - إيلاء اهتمام خاص لهذه المسألة، فعقب الأخبار التي صدرت منذ أيام عن انكماش الاقتصاد بنسبة 0.3 % في الربع الأول برزت مخاوف متزايدة بشأن التأثير السلبي للتعريفات على حركة البضائع وأسعارها.

ومع بدء تجار التجزئة الاستعداد لموسم الأعياد يبدو ترامب وكأنه يجسد شخصية «غرينش» الشهيرة، المعادية للأعياد والاحتفالات، وهو ما اعترف به ضمنياً عندما قال للأمريكيين إنه «ربما يحصل الأطفال على دميتين بدلاً من 30 دمية في عيد الميلاد، وربما تكلف هاتان الدميتان بضعة دولارات إضافية»،

لكن الجانب الذي لم يحظَ باهتمام كافٍ حتى الآن هو البعد المالي للأزمة، إذ في حال استمرار التعريفات ستضطر الشركات إلى البحث عن السيولة اللازمة لسداد هذه الفواتير والاستعداد لصدمات محتملة أخرى، بما في ذلك التعثر المتوقع للموردين والعملاء، فهل يمكن العثور على هذه الأموال، سواء عن طريق الاقتراض من البنوك أو أي طريقة أخرى؟ نظرياً، الإجابة هي نعم، حيث إن الأوضاع المالية رغم أنها أصبحت أكثر صعوبة مؤخراً لا تزال مقبولة نسبياً وفق المعايير التاريخية. علاوة على ذلك تتمتع البنوك برأسمال جيد، وشهدت صناعة الائتمان الخاص نمواً ملحوظاً.

وفي الوقت الذي ترفع فيه البنوك من مخصصاتها، لمواجهة تعثر الشركات - مع تحذير بنك إنجلترا من أن التعريفات قد تؤدي إلى زيادة القروض المتعثرة - إلا أن الإقراض البنكي الإجمالي سجل ارتفاعاً خلال العام الجاري.

وحذر ستيفن بليتز، المحلل الاقتصادي في مؤسسة «تي إس لومبارد»، من أن بيانات الإقراض الحالية قديمة ولا تعكس الواقع، مؤكداً أن استمرار التعريفات الجمركية سيؤدي إلى تقييد الائتمان، مما يفاقم مخاطر الركود الاقتصادي. وأضاف: «مدى تدفق الائتمان وليس البضائع هو المصدر الحقيقي للخطر على النمو الاقتصادي، فالشركات تقترض عادة لتمويل مخزونها، وما لم يتم تمرير التعريفات بالكامل إلى المستهلكين فإن هوامش الربح ستتأثر سلباً مما يضعف القدرة على السداد».

ومن الناحية النظرية يمكن للبيت الأبيض معالجة هذه المشكلة من خلال استخدام النهج، الذي أثبت نجاعته خلال أزمة سلاسل التوريد أثناء جائحة كورونا، والمتمثل في تقديم قروض أو منح للشركات المتضررة، كما يمكنه توفير قروض بفوائد منخفضة للشركات الراغبة في نقل خطوط إنتاجها إلى الولايات المتحدة.

وتطالب بعض الشركات الصغيرة بحل آخر: إعفاء الشركات التي تتعهد بالاستثمار في مصانع محلية من رسوم التعريفات، حيث كتب شون فرانك، مؤسس شركة «ريدج» للتجارة الإلكترونية ومقرها لوس أنجلوس، على منصة «إكس» عن الدعم الصناعي، الذي تقدمه الصين، مشيراً إلى أن بعض الشركات الناشئة تواجه الآن فاتورة تعريفات تقدر بـ200 ألف دولار كان يمكن استثمارها بشكل أفضل في البنية التحتية الأمريكية.

وأضاف: «نتوق لإعادة التصنيع إلى أمريكا، لكن أرجوكم لا تتركوا مليون شركة صغيرة في المناطق الريفية تلفظ أنفاسها الأخيرة»، لكن صمت البيت الأبيض حتى الآن قد يعكس إصرار فريق ترامب على إظهار التزامه بتقليص حجم الدولة بدلاً من توسيع دورها.

كما يكشف بوضوح عن غياب الرؤية الشاملة، ما أثار قلقاً متزايداً حتى بين أشد المتحمسين للحرب التجارية من مستشاريه، حيث اعترف أحدهم قائلاً: «أؤمن بجدوى التعريفات، لكن طريقة التنفيذ تثير مخاوفي».

وربما يكمن التفسير الأكثر سخرية في اعتقاد بعض مستشاري ترامب أن ضغوط مجتمع الأعمال ستجبره في النهاية على تخفيف حدة إجراءاته - وهو ما تراهن عليه شخصيات مثل ديفيد سولومون، رئيس «غولدمان ساكس»، وتصلي من أجله الشركات الصغيرة، وكتب ماثيو هاسيت، مؤسس شركة «لوفتي»، التي تستورد معدات الإضاءة من الصين، على لينكد إن: «هذه التعريفات قد تطيح بشركتي، وبالعديد غيرها. أدعو أن ينتصر صوت العقل».

ربما يحدث ذلك، لكن إذا أصر ترامب على موقفه فإن القلق سيتفاقم جنباً إلى جنب مع التكالب المحموم على السيولة النقدية.

ويختتم ستيفن بوريلي بنبرة أسى قائلاً: «أتمنى ألا يُسحق الناس الذين صوتوا لترامب مثلي تحت وطأة هذه السياسات».