مارتن ساندبو
«لن يعجبكم ما سيأتي بعد أمريكا».. هكذا قال الشاعر ليونارد كوهين، وربما ثبتت صحة كلامه، على الأقل فهذه ليست أمريكا التي ظننا أننا نعرفها؛ ذلك أن تخمين ما ستؤول إليه سياسات الرئيس دونالد ترامب ضرب من الحماقة، لكن من الحماقة أيضاً عدم محاولة الاستعداد لعالم انسحبت منه الولايات المتحدة؛ اقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً.
لذا، لا بد من تناول كيفية تعامل العالم مع فجوة بحجم الولايات المتحدة في قلبه. وأفكاري اليوم تدور حول الحوكمة الدولية، حيث آمل أن أحمل بعض الأخبار الجيدة، على الأقل أفضل مما يخشاه كوهين.
لقد أصبح أسلوب عمل «ماجا» في الشؤون الدولية مألوفاً الآن (وماجا هي اختصار لشعار ترامب «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» Make America Great Again). والكلمة المهذبة التي تُعبّر عنه هي الثنائية.
والأشد قسوة سياسة «فرّق تسُد» في كل مكان، وإجبار الدول الأضعف على الولاء كلما أمكن. في المقابل، ليس من المستغرب أن يحتقر ترامب التعددية في نظام قائم على القواعد، حيث تتخلى الدول الكبرى عن حرية استغلال قوتها العظمى دون قيود، من أجل كيان يُكبّل الجميع.
إن الأمر يتجاوز بكثير مسألة خفض المساعدات الخارجية، فخلال ولايته الرئاسية الأولى، انسحب ترامب، على نحو معروف، من معاهدة باريس لمكافحة تغير المناخ واتفاقية القوى المتعددة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
أما هذه المرة، فقد انسحب من معاهدة باريس للمرة الثانية (بعد أن أعاد جو بايدن الولايات المتحدة إلى المعاهدة)، بالإضافة إلى الانسحاب من منظمة الصحة العالمية. كما تنسحب الولايات المتحدة في عهد ترامب من العديد من هيئات الأمم المتحدة (الأونروا، واليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة).
وهذا ليس كل شيء، فواشنطن تنتهج أيضاً سياسة العقوبات لإحباط إجراءات المحكمة الجنائية الدولية، وتتجاهل مجموعة العشرين، وتبدي عدم تعاون مع مجموعة السبع.
وهنا يجدر التأكيد على أن هذه الكيانات من صنعها، والآن يتخلى عنها هي الولايات المتحدة نفسها، فقد كان صرح النظام الديمقراطي لما بعد الحرب من تصميم واشنطن وصنعها بالكامل، في مقابل النظام غير الديمقراطي الذي أسسه الاتحاد السوفييتي، فهل يمكن أن يبقى الهيكل قائماً إذا سُحب حجر الزاوية بلا أي مقدمات؟
هناك علامات مبكرة على أن ذلك ممكن، فمن بين الأحداث الأقل لفتاً للانتباه خلال المئة يوم الأولى من عهد ترامب، إبرام اتفاقيتين دوليتين من دون مشاركة الولايات المتحدة.
أولاً: أقرّ أعضاء المنظمة البحرية الدولية إجراءً لفرض تسعير الكربون على انبعاثات الشحن، ثم بعد أيام قليلة فقط وافق الأعضاء في منظمة الصحة العالمية على معاهدة ملزمة قانوناً بشأن كيفية التعامل مع الأوبئة، وذلك للتعاون بشكل أفضل من أجل التأهب للأوبئة.
يعد هذان الأمران إنجازين هائلين للتعددية، وبطبيعة الحال، لن يحلا بمفردهما المشكلة التي يُفترض أن يتعاملا معها - تغير المناخ العالمي في الحالة الأولى، وانتشار الأمراض المعدية الخطيرة عبر الحدود في الحالة الثانية - لكنهما خطوتان ضروريتان بوضوح.
وهما، على وجه الخصوص، تساعدان في التغلب على مشكلة العمل الجماعي في الحوكمة الدولية، حيث يكون لدى الدول الفردية حافز لتجاهل كيف قد تُلحق أفعالها أو تقاعسها ضرراً بالآخرين. (قد يكون من قبيل المصادفة أن موضوع الاتفاقيتين هما موضوعان تتباهى إدارة ترامب بموقفها المخالف).
ومهما كانت مزايا هاتين الاتفاقيتين تحديداً، فإنني ألفت الانتباه إليهما لمجرد الإشارة إلى أنهما قد أُبرمتا بالفعل، وأن الحوكمة العالمية في بقية العالم لا تزال تشكلها الاتفاقيات متعددة الأطراف.
كما أن العالم من دون الولايات المتحدة سيمضي قدماً ولن يتوقف. بالطبع، تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل أكثر من مجرد فك الارتباط؛ حيث يمكنها تخريب الأمور على نحو نشط. وقد دأبت على القيام ببعض ذلك.
ومن الأمثلة الواضحة كيفية استخدام إدارة ترامب تهديد الرسوم الجمركية «المتبادلة» المتوقفة للضغط على الدول الأخرى لتبني نهجها المتشدد تجاه الصين. (وحتى الآن، لا يبدو أن هذا النهج يُجدي نفعاً).
لكن المثال الأوضح يتواصل منذ رئاسة ترامب الأولى، ويتعلق بمنظمة التجارة العالمية، حيث تعمل منظمة التجارة العالمية على مبدأ التوافق، لذا يمكن لأي عضو عرقلة أي شيء.
وقد دأبت الولايات المتحدة على عرقلة التعيينات في هيئات منظمة التجارة العالمية الشبيهة بالمحاكم، التي تحكم في النزاعات التجارية بموجب قواعد المنظمة.
والنتيجة هي أنه منذ نوفمبر 2020، أصبحت هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية «محكمة بلا قضاة»، كما يشير أحد التحليلات، وهذا يشير أيضاً إلى أن فك الارتباط الأمريكي أعمق من ترامب؛ حيث كان بإمكان إدارة بايدن استعادة عمل هيئات منظمة التجارة العالمية، لكنها اختارت عدم القيام بذلك.
رغم ذلك، اتضح أن التوافق لم يكن سمة تشل القواعد دائماً، ففي عام 2017، وبعد أن أدرك مجموعة من المحامين مسار الأمور، اقترحوا الاستفادة من أحكام منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالوسائل البديلة لتسوية المنازعات لمحاكاة آلية عمل هيئة الاستئناف قدر الإمكان.
وكما أخبرني أحد هؤلاء المحامين، وهو نيكولاس لوكهارت، فإن الهدف كان «إتاحة الفرصة للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية لتتولى مصيرها بنفسها».
وبعدما عرقلت الولايات المتحدة عمل هيئة الاستئناف، تبنى العديد من أعضاء منظمة التجارة العالمية، وأهمهم الاتحاد الأوروبي، الاقتراح، ووافقوا على الالتزام بلجان التحكيم التي تطبق القواعد نفسها. وقد انضمت عشرات الدول، بما فيها الصين، إلى «ترتيب التحكيم الاستئنافي المؤقت متعدد الأطراف».
ويدعم هذه الآلية البديلة اتفاق سياسي، ضمن إطار فرعي لقواعد منظمة التجارة العالمية، وبالتزام طوعي من الأطراف باللجوء إليها كآلية استئناف متفق عليها لحل نزاعات منظمة التجارة العالمية فيما بينهم، فهل هي ناجحة؟
بالنظر إلى عدد الدول المشاركة، لا بد من القول إنها كذلك، حتى لو تراجعت دول تجارية مهمة حتى الآن، ومنها الولايات المتحدة بالطبع، وأيضاً المملكة المتحدة وتركيا وإندونيسيا؛ ومع ذلك وافقت تركيا على إجراءات مماثلة على أساس مخصص في النزاعات مع الاتحاد الأوروبي.
وكما تشير دراسة قانونية، فإن نجاح هذه الآلية ملحوظ أيضاً في عدم الحاجة إلى استخدامه، فقد أُصدر حكم نهائي واحد فقط، ولكن يبدو أن حقيقة أنه متاح قد شجع الدول المشاركة على التوصل إلى اتفاق في وقت أقصر.
عموماً، فإن ما نتعلمه من ذلك أولاً هو أن بقية دول العالم يمكن أن تستمر في استخدام هياكل الحوكمة الدولية للنظام الذي قادته الولايات المتحدة سابقاً لصالحها.
كما نتعلم من آلية منظمة التجارة أن هناك طرقاً لتكرار حتى الهياكل التي تمتلك الولايات المتحدة القدرة على نسفها، وقد لا يعجبك ما سيأتي بعد أمريكا، لكن أمريكا التي عرفناها تركت وراءها إرثاً مرناً للغاية.
