روبرت أرمسترونج، أيدن رايتر

غالبية مؤشرات الاقتصاد الأمريكي تشبه النصف الأول في إعلانات المقارنة بين «قبل» وبعد، للكريمات المضادة للشيخوخة، وشفط الدهون، والشامبوهات المضادة للقشرة.

لكن ما نريده حقاً هو صورة كيف سيبدو عليه الأمر «بعد»، إلا أنها ليست متاحة. لذا علينا أن نكتفي بالدراسة المتأنية لصورة «قبل» وبعض التخمينات المدروسة حول آثار «العلاج المعجزة».

العلاج، بالطبع، هو نظام التعريفات الجمركية المرتفعة جداً، التي فرضها دونالد ترامب، والذي تم إطلاقه يوم 2 أبريل، مباشرة في بداية الربع الثاني. ولذلك، يلقي هذا اليوم بظلاله على تقرير الناتج المحلي الإجمالي الأولي للربع الأول، لكن التقرير كان مفاجأة سارة، فصورة ما «قبل» تبدو جيدة جداً.

نعم، كان النمو الإجمالي سلبياً بنسبة 0.3%، لكن هذا الرقم هو نتاج زيادة هائلة في الواردات، ما أدى إلى خفض رقم النمو الإجمالي بما يصل إلى 4.8 %، حيث يتم طرح الواردات من الناتج المحلي الإجمالي لأنها لا تنتج في البلاد.

ولتجنب حسابها مرتين في الاستهلاك والاستثمار، وإذا كانت زيادة الواردات في الربع الأول مدفوعة حقاً بالطلب المسبق قبل فرض التعريفات، فيجب أن يكون هذا تشوهاً سيزول مع مرور الوقت.

سنعود إلى معنى انفجار الواردات بعد لحظة، لننظر أولاً إلى الجوانب القوية في التقرير. نما الاستهلاك الأسري الحقيقي، وهو المحرك الرئيس للاقتصاد الأمريكي، بنسبة 1.8 %، ونمت المبيعات النهائية الحقيقية للمشترين المحليين، وهي الإنفاق الاستهلاكي .

إضافة إلى الاستثمار الخاص الثابت، باستثناء المخزونات، بنسبة 3 %، وبالنظر إلى استطلاعات تدني معنويات المستهلكين والشركات الصغيرة في الأشهر الأخيرة، يعد هذا راحة حقيقية.

لكن على جانب الاستثمار، تصبح الأرقام أكثر تعقيداً في تفسيرها، فقد نما الاستثمار الخاص بمعدل سنوي مذهل بلغ 22 % مقارنة بالربع السابق، ويعود ذلك بالكامل تقريباً إلى قفزة ضخمة في مشتريات معدات الكمبيوتر التي ساهمت بمفردها بنقطة مئوية كاملة تقريباً في الناتج المحلي الإجمالي.

ويبدو من المرجح جداً أن جزءاً كبيراً من هذا كان بسبب سعي الشركات لتلبية الاحتياجات طويلة الأجل من الموردين العالميين قبل فرض التعريفات الجمركية. ولكن ما حجم ذلك؟ وما حجم الطلب القوي المستمر من اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟ نحن لا نعرف، والجواب سيحدث فرقاً كبيراً في قراءتنا لمدى قوة الاقتصاد الحقيقية.

كما أن هناك دليلاً على أن المخاوف من التعريفات الجمركية أدت إلى دفع الطلب في أجزاء أخرى من التقرير، رغم ذلك، ومرة أخرى، فإن تفسير الأرقام صعب، فقد ساهم تراكم ضخم في مخزونات الشركات بأكثر من نقطتين مئويتين في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

لكن في ملاحظة على هامش التقرير، يقول مكتب التحليل الاقتصادي «تستند تقديرات الاستثمار في المخزونات الخاصة بشكل أساسي إلى بيانات القيمة الدفترية للمخزونات من مكتب الإحصاء وتعديل أجراه مكتب التحليل الاقتصادي في مارس لأخذ الزيادة الملحوظة في الواردات في الاعتبار».

وقام زميلنا كريس غايلز بترجمة ذلك لنا بأنه يعني أن هناك بيانات دقيقة حول زيادة الواردات، يمكن حسابها خلال وصولها عبر الموانئ. إلا أنه على النقيض من ذلك، فإن أرقام المخزون هي في الغالب نتاج نماذج وتقديرات تستخدم زيادة الواردات كمدخل. قد يكون الاستهلاك أعلى بكثير مما تشير إليه هذه الأرقام، وتراكم المخزون أقل، أو العكس، وهذا يحدث فرقاً جوهرياً في تقييمنا للنمو.

أما الجانب الحاسم الآخر في التقرير فهو انخفاض تضخم أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي، وذلك بشكل طفيف على أساس شهري وسنوي، لكنه لا يزال فوق المستهدف عند معدل سنوي قدره 2.6 %.

خلاصة الصورة الاقتصادية: نمو الاستهلاك صامد بشكل جيد، وإن لم يكن يتسارع؛ واستثمار الشركات يبدو جيداً أيضاً، لكن تأثير التعريفات الجمركية يلقي بظلاله على هذه الصورة؛ والتضخم يتراجع ولكنه ليس حيث ينبغي أن يكون.

بالنسبة لنا، يبدو هذا كأنه صيغة ستجعل الاحتياطي الفيدرالي يترك أسعار الفائدة كما هي في اجتماع الأسبوع المقبل وربما لفترة أطول (يتوقع سوق العقود الآجلة أربعة تخفيضات في أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام؛ ويتبقى ستة اجتماعات للفيدرالي قبل نهاية العام).

إذن، نحن أمام صورة «ما قبل» تبدو إيجابية، فماذا يمكننا أن نقول عن صورة «ما بعد»؟

تتوافر لدينا مؤشرات قوية إلى أن المستهلك الأمريكي لا يزال يحافظ على وتيرة إنفاق مستقرة منذ الثاني من أبريل، فقد أعلنت شركة فيزا الثلاثاء الماضي أن حجم المدفوعات عبر شبكتها الأمريكية نما بنسبة 6% في الربع الأول، وهو ما يتماشى مع نتائج الأشهر السابقة، بل إن أحجام المدفوعات شهد ارتفاعاً طفيفاً في الأسابيع الثلاثة الأولى من أبريل، حيث قال الرئيس التنفيذي للشركة:

«لم نرصد أي مؤشرات إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي العام، وبينما تختلف معدلات نمو الإنفاق بين شرائح المستهلكين المختلفة، مع تسجيل الأكثر ثراء النمو الأسرع، تحافظ جميع فئات الإنفاق على مرونتها واتساقها مع الفصول السابقة.

وضمن فئات الإنفاق المختلفة، هناك بعض المجالات المحددة كالسفر مع شركات الطيران والإقامة حيث تباطأ النمو، لكن الإنفاق التقديري وغير التقديري بشكل عام لا يزال قوياً».

غير أن المستهلكين لم يتأثروا بعد بتداعيات التعريفات الجمركية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو عدم توافر المنتجات، كما أن قلة من الشركات اضطرت حتى الآن لاتخاذ قرارات صعبة بشأن تحمل تكاليف التعريفة أو تمريرها للعملاء أو ببساطة وقف استيراد منتجات معينة، حيث ستواصل غالبيتها استهلاك مخزونها السابق على فرض التعريفة بينما تأمل تغيير السياسة، إلا أن لحظة المواجهة تقترب بسرعة متأنية تشبه سفينة الشحن.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة فاينانشال تايمز الأحد الماضي إلى أن «ميناء لوس أنجلوس، المسار الرئيس لدخول البضائع من الصين، يتوقع أن تتراجع عمليات الوصول المجدولة في الأسبوع الذي يبدأ في 4 مايو بنسبة الثلث ما كانت عليه قبل عام.

كما أبلغت شركات الشحن الجوي أيضاً عن انخفاضات حادة في الحجوزات»، بينما «انخفضت حجوزات حاويات الشحن القياسية مقاس 20 قدماً من الصين إلى الولايات المتحدة بنسبة 45% عن العام السابق بحلول منتصف أبريل، وفقاً لأحدث البيانات المتاحة من خدمة تتبع الحاويات فيزيون».

وما لم يكن هناك تراجع سريع وكبير عن سياسة التعريفات الجمركية، فمن المتوقع أن تتضح صورة «ما بعد» بشكل كامل في وقت ما في فصل الصيف المقبل.