مارتن وولف

لا يمكن لأي دولة في العالم تجاهل اضطرابات اللحظة الحالية، لكن الأهم لا يكمن دائماً فيما هو عاجل، ويبقى المعيار الأساسي للازدهار والاستقرار في القرارات الداخلية للبلاد، باستثناء الوضع عند وقوع كارثة كبرى مثل اندلاع حرب عالمية أو كساد اقتصادي عالمي شامل، وهو أمر لا يمكن للمملكة المتحدة أن تفعل الكثير بشأنه.

إن السياسة الرشيدة تزداد أهميتها كثيراً في الأوقات العصيبة، وبالنسبة لدولة مثل المملكة المتحدة لا يمكن ألا تكون حرب دونالد ترامب على الاقتصاد العالمي المفتوح ذات صلة، لا سيما أنه يضع الكثير من الحواجز الضخمة وغير المتوقعة في وجه التجارة العالمية.

في الوقت نفسه يدمر ترامب البنية المؤسسية، التي أسسها سابقوه الأكثر حكمة على مدار ثمانية عقود. رغم ذلك فمن المستبعد أن تشكل قراراته في حد ذاتها نهاية العالم الاقتصادي، على الأقل بالنسبة للمملكة المتحدة.

ووفقاً لمكتب الإحصاءات الوطنية صدّرت المملكة المتحدة سلعاً إلى أمريكا خلال عام 2024 بقيمة 59 مليار جنيه استرليني، ما يشكل 16.2 % من إجمالي صادرات البلاد من السلع. أما صادرات المملكة المتحدة من الخدمات، فقد بلغت 137 مليار استرليني إلى أمريكا، وهي أكبر كثيراً، حيث تمثل 27 % من إجمالي صادرات الخدمات.

وتسلط تفاصيل صادرات المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة الضوء على تناقض كبير، فقد كانت الفئة الأكبر من صادرات الخدمات إلى الولايات المتحدة تحت عنوان «خدمات الأعمال الأخرى»، وبلغت ما يصل إلى 61 مليار استرليني عام 2024، ما يعادل 33 % من إجمالي صادرات خدمات الأعمال. 

وكانت أكبر فئة من صادرات السلع إلى الولايات المتحدة، هي المعدات والآلات بقيمة متواضعة تبلغ 29 مليار استرليني، وتوجهت 19 % من صادرات السلع هذه الفئة إلى الولايات المتحدة.

هذا وضع جيد للمملكة المتحدة، فترامب، وهو شديد الشبه في هذا الصدد بالمؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا يبدو أنه يعبأ كثيراً بأمر الخدمات. وبالنسبة للمتشددين من أتباع شعار «اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى»، فإنهم يرون أن هذا لا يليق بـ«الرجال الحقيقيين»، فالرجال الحقيقيون، من وجهة نظرهم، هم من يصنعون الصلب أو يعملون في مناجم الفحم.

علاوة على ذلك فإن التعريفات الجمركية لا يمكن تطبيقها على الخدمات. إن الآثار غير المباشرة لسياسات ترامب، سواء الاقتصادية أو الأوسع نطاقاً من ذلك، يصعب تحليلها إلى حد بعيد.

كما أشارت مسؤولة السياسات في بنك إنجلترا ميجان جرين في 25 أبريل، فحالات عدم اليقين تتضاعف في كل اتجاه، ومن المؤكد أنه من الصعب رؤية أي ميزة للمملكة المتحدة، بخلاف فرصة استقطاب أشخاص من الطراز الأول للعمل في بلد لا يزال متمسكاً بفكرة سيادة القانون.

ويكمن الأثر الرئيسي لصدمة ترامب في أن السياسات الجيدة أصحبت أكثر أهمية، وهذه هي الحال دائماً في الأوقات الصعبة.

بشكل عام، يجب أن يكون الهدف هو جعل الوضع المالي والنظام المالي أكثر مرونة، وتعزيز مرونة الاقتصاد وزيادة الاستثمار بشكل كبير في البشر والأشياء المادية وغير الملموس، في القطاعين العام والخاص. لسوء الحظ، لا يمكن فعل هذه الأشياء في بلد يعاني من بطء نمو الإنتاجية وعجز كبير في الحساب الجاري، دون قمع للاستهلاك.

وهذه حقيقة لا ترغب أي حكومة في مواجهتها، لكن وفقاً لصندوق النقد الدولي بلغ متوسط معدل الادخار الوطني في المملكة المتحدة 15.6 % من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2021 و2024، ما وضعها في المرتبة 35 من بين 37 دولة ذات دخل مرتفع، متقدمة فقط على قبرص واليونان، ويجب أن يرتفع هذا المعدل إذا أردنا لاستثمار المملكة المتحدة المنخفض أن يرتفع أيضاً.

إن القدرة على تمويل استثمارات أعلى هي مجرد شرط ضروري واحد للنمو الأسرع. يجب أن تكون هناك أيضاً فرص للاستثمار.

سيتم إنتاج بعض هذه الفرص من خلال إلغاء القيود التنظيمية المناسبة، مثل تخفيف ضوابط التخطيط وإزالة القيود البيئية الأكثر سخافة والقيود المفرطة على مرونة التوظيف، لكن البعض الآخر سيتطلب جهداً.

وعلى وجه الخصوص النمو يعني التغيير، وبالتالي يتطلب الابتكار، وهذه عملية قد تكون محفوفة بالمخاطر ومكلفة، لكن مع العديد من الآثار الخارجية الإيجابية، والنشاط الجديد الناجح سيشارك دائماً فوائد ريادته مع الآخرين، لهذا السبب هناك حجة سليمة لدعم الحكومة للابتكار. والسؤال هو كيف نفعل ذلك. نشر ديفيد ويلتس، الوزير المحافظ السابق، للتو كتيباً قصيراً لمؤسسة ريزوليوشن حول «كيفية وضع استراتيجية صناعية»، والذي يستكشف الاحتمالات.

وجهة نظري هي أن تكاليف عدم تحمل مخاطر الفشل تتجاوز تكاليف تحملها.

من الواضح تماماً، كما اعتقد ألكسندر هاميلتون، أن الحكومة يمكنها ويجب أن تعمل كمحفز للتغيير.

ستكون هناك العديد من الإخفاقات، ولكن احتمال جيد أيضاً أن تكون هناك نجاحات، ويجب على بلد غارق في الركود مثل المملكة المتحدة أن يخاطر بالأول (الفشل) لتحقيق المزيد من الثاني (النجاح).

النقطة المهمة التي أؤكدها منذ بعض الوقت هي أنه كلما كان العالم أكثر خطورة، وكان الأداء الاقتصادي أسوأ كان انعكاس النزعة المحافظة في المملكة المتحدة أكثر ضرراً، وعموماً فإن الحظ غالباً ما يحالف الشجعان.