نيك فيلدز

عندما شددت الصين قيودها على صادرات العناصر الأرضية النادرة، يوم الجمعة الماضي، في تصعيد للحرب التجارية مع الولايات المتحدة، خالفت شركات تعدين أسترالية صغيرة عدة الاتجاه الهابط للأسواق العالمية، وسجلت مكاسب كبيرة.

وصعدت أسهم شركات «نورثن مينرالز»، و«ليناس راير مينرالي»، و«أرافورا راير إرثز»، مدفوعة بتوقعات المستثمرين بأنها قد تصبح شركات موردة، ولمدد طويلة الأجل للمواد، التي يحتاج إليها المشترون الغربيون لتطوير أنظمة الطاقة والدفاع الحديثة. وارتفعت أسهم شركتي «ليناس» و«نورثرن» بأكثر من 10 % خلال الأسبوع الماضي، في تناقض واضح مع موجة بيع أوسع شملت شركات التعدين المدرجة في أستراليا.

ومنذ أكثر من عقد تسعى أستراليا لترسيخ مكانتها مورداً رئيسياً للمعادن الحيوية، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، إلا أن هيمنة الصين على هذا السوق جعلت اختراقه صعباً، وفقاً للمحللين، لكن عقب القيود الصينية الأخيرة التي فرضتها بكين على تصدير المعادن قالت شركة «ليناس»، التي تتخذ من بيرث مقراً لها، إنها الآن في موقع مثالي، إلى جانب شركات مثل «نورثرن» و«إيلوكا ريسورسس»، للاستفادة من الاضطرابات، التي أصابت سلسلة الإمداد العالمية.

وقال توم أوليري، مدير عام شركة «إيلوكا»: «إنه بإمكان الشركات الأسترالية أن توفر مصدراً آمناً للمواد الأساسية للموردين العالميين. الحاجة لصناعة مستدامة للعناصر الأرضية النادرة تزداد حدة»، فالقيود الصينية الجديدة، التي شملت 7 عناصر أرضية نادرة ومغناطيسات دائمة استهدفت ما يعرف بالمعادن المتوسطة والثقيلة المستخدمة في صناعات الدفاع والروبوتات والطاقة.

وفي الممارسة العملية فإن أي شركة سيارات تشغل مصنعاً في الصين ستحصل على إمدادات جيدة من المواد التي تحتاج إليها، لكنها ستجد صعوبة في توفير هذه المواد لأي مصنع لها في مكان آخر، وفقاً لما جاء في مذكرة صادرة عن شركة الوساطة المالية «أورد مينيت».

وأضافت المذكرة: «الرسالة واضحة: إذا أرادت الولايات المتحدة مغناطيسات دائمة المغنطة وعالية الجودة فعليها أن تنشئ مصانعها داخل الصين»، مشيرة إلى أن شركات الدفاع يمكنها «نسيان» الحصول على هذه الإمدادات، وتابعت: «الصين لا تريد أن تعود عناصرها الأرضية النادرة إليها على شكل صواريخ».

وأبرزت هذه القيود الصينية إلى أي مدى تعتمد الشركات العالمية في مختلف القطاعات، الدفاع، الطاقة، النقل، الطب، على مصدر وحيد للإمداد، بحسب شين هارتويغ، الرئيس التنفيذي لشركة «نورثرن مينرالز»، التي تطور موقعاً لاستخراج العناصر الأرضية النادرة في غرب أستراليا. وقال: «هذا يظهر قدرة الصين على فرض هيمنتها، كما يؤكد أن سلاسل الإمداد المعتمدة على مصدر واحد تعد مخاطرة، سواء كانت من الصين أو من أي جهة أخرى».

وتنتج المناجم الصينية حوالي 60 % من عناصر الأرض النادرة في العالم، لكنها تعالج ما يقرب من 90 % منها. ويقول الجيولوجيون إن أستراليا تحتل المرتبة الثانية بعد الصين من حيث وفرة المصادر الغنية بالعناصر الأرضية النادرة، وهي مجموعة تتكون من 16 عنصراً معدنياً.

وتقوم أستراليا بالفعل باستخراج العناصر الأرضية الثقيلة مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، وهي عناصر أساسية في صناعة المغناطيسات القادرة على العمل في درجات الحرارة المرتفعة جداً مثل محركات السيارات الكهربائية، والخطوة التالية للشركات الأسترالية هي تكرير هذه المعادن محلياً أو في الخارج، ولكن هذه الخطط تحتاج إلى وقت للتنفيذ، وفقاً للمحللين.

وتختص شركة «ليناس»، التي تحظى بدعم مستثمرين يابانيين يسعون إلى بديل عن المصادر الصينية، بالعناصر الأخف التي تستخرجها من غرب أستراليا وتكررها في ماليزيا. وذكرت في فبراير أن إنتاجها من العناصر الأرضية الخفيفة ارتفع بنسبة 22 % ليصل إلى 2969 طناً خلال الأشهر الستة المنتهية في ديسمبر، وهو مستوى قياسي.

ولا تقوم «ليناس» حالياً بتكرير العناصر الثقيلة، لكنها ستبدأ في تكريرها بمنشأتها في ماليزيا لتصديرها إلى مصنعي المغناطيسات بدءاً من منتصف هذا العام، كما أنها تبني مصنعاً لفصل العناصر الأرضية النادرة في سيدريفت، تكساس، بتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية، ومن المتوقع تسريع العمل فيه بعد تأخيره بسبب «الروتين الأمريكي»، بحسب «أورد مينيت».

وتعتزم شركة «إيلوكا ريسورسز» أيضاً بدء تكرير العناصر الثقيلة اعتباراً من عام 2027 في مصفاة جديدة في إنيابا، وهي منطقة نائية في غرب أستراليا، وذلك بعد حصولها على قروض العام الماضي من الحكومة الأسترالية بقيمة 1.6 مليار دولار أسترالي (960 مليون دولار).

وقال دانيال مورجان، محلل في شركة «بارين جوي»، إن شركة «ليناس» في وضع جيد، لكن قيمتها السوقية البالغة 7 مليارات دولار أسترالي لا تعكس بالشكل الكافي أهميتها الاستراتيجية بصفتها أكبر مورد للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين. وانخفض صافي أرباح «ليناس» في النصف الثاني من عام 2023 بنسبة 85 % رغم توسعها وزيادة إنتاجها، نظراً لتقلب أسعار هذه المواد.

وقال غافن ماد، مدير مركز استخبارات المعادن الحيوية التابع للمسح الجيولوجي البريطاني، إن هناك حاجة إلى مزيد من الدعم الحكومي لتطوير سلسلة إمداد الأسترالية للعناصر الأرضية النادرة. وأضاف: «إذا أردنا إنشاء سلاسل إمداد متنوعة ومرنة ومستدامة لهذه المواد فعلى الحكومات التأكد من أننا لا نبني المناجم فقط، بل أيضاً المصافي ومصانع التصنيع ومرافق إعادة التدوير».

وفي رد على فرض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية بنسبة 10 % على الواردات الأسترالية الأسبوع الماضي أعلنت الحكومة الأسترالية أنها ستنشئ احتياطياً استراتيجياً من المعادن الحيوية.

وقد يستخدم هذا الاحتياطي كورقة تفاوض في المحادثات التجارية المستقبلية، خاصة مع سعي الولايات المتحدة مؤخراً إلى الوصول إلى رواسب العناصر الأرضية النادرة في كل من جرينلاند وأوكرانيا، كما يمكن أن يكون لهذا دور مهم في تحديد سعر مرجعي لهذه المواد، وخلق طلب غير تجاري يدعم هذه الصناعة. واختتم هارتويغ بقوله: «إنه سوق غير شفاف تهيمن عليه سلسلة إمداد واحدة. أي نوع من الدعم سيكون مفيداً بالنسبة لنا».