روتشير شارما

بعد أن لجأ دونالد ترامب إلى «الخيار النووي» لتنفيذ تهديداته بفرض تعريفات جمركية، ما زاد مخاوف الركود التضخمي العالمي، أوضح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أن البنك المركزي الأمريكي ليس في عجلة من أمره للرد.

رغم ذلك، بدأت الأسواق بالفعل في تسعير 4 تخفيضات محتملة لأسعار الفائدة هذا العام، ما يشير إلى أن المركزي قد يختار قريباً تحفيز النمو على حساب السيطرة على التضخم.

سيمثل هذا المسار ضربة جديدة لمصداقية الفيدرالي في مكافحة التضخم. فعلى مدار خمسة أعوام متتالية، فشل البنك المركزي الأمريكي في تحقيق هدفه البالغ 2% للتضخم. ووفقاً لتقديراته الخاصة، فإنه سيفشل مجدداً هذا العام والعام المقبل. وحتى الآن، فإن الشخصية العامة الوحيدة التي دفعت الثمن هي جو بايدن.

أما محافظو بنك الاحتياطي الفيدرالي، فيواصلون تقديم الأعذار لفشلهم في السيطرة على التضخم، بداية من اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن عمليات الإغلاق المرتبطة بكوفيد، مروراً بالإنفاق الحكومي الهائل خلال الجائحة، والآن بسبب التعريفات الجمركية. ويقبل معظم الاقتصاديين بهذه الأعذار، ويتبنون حجة الفيدرالي بأن أسعار الفائدة، بعد تعديلها وفقاً للتضخم، لا تزال «مقيدة».

بالمقارنة مع عصر المال السهل، الذي استمر طوال الخمسة عشر عاماً الماضية، عندما تحولت أسعار الفائدة الحقيقية إلى سلبية للمرة الأولى، فإن سعر الفائدة الفعلي على الأموال الفيدرالية الذي يبلغ نحو 1.8%، يبدو مرتفعاً نسبياً. رغم ذلك، ومقارنة بالمعايير التي كانت سائدة قبل عام 2009، فإن سعر الفائدة ليس مرتفعاً جداً.

وسواء تم القياس وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك، أو بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي المفضلة لدى الفيدرالي الأمريكي، فإن التضخم المرتفع المستمر خلال السنوات الخمس الماضية، قد محا أكثر من مكاسب التضخم المنخفض التي تحققت خلال العشرين عاماً السابقة. والآن، يعد مؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، أعلى بكثير مما كانا سيكونان عليه لو تمكن الفيدرالي من الحفاظ على هدفه البالغ 2% منذ بداية الألفية.

وقد أظهر أحدث تقرير عن نفقات الاستهلاك الشخصي، أن التضخم لا يزال أعلى بنقطة مئوية تقريباً من هدف الفيدرالي. رغم ذلك، يواصل أعضاء الفيدرالي التفكير في توقيت خفض الفائدة، اعتقاداً منهم بأن الزيادة في معدل التضخم الناجمة عن الرسوم الجمركية هذا العام، قد تكون «مؤقتة».

ومن الصعب العثور على أدلة على أن الاحتياطي الفيدرالي يتبع سياسة تقييدية. كما أظهرت أحدث تقارير الوظائف، فلا يزال معدل البطالة منخفضاً ومستقراً. وأسعار المنازل في الولايات المتحدة عند مستويات تاريخية مرتفعة، مقارنة بمتوسط الدخل، ما يجعل حلم امتلاك منزل بعيد المنال بشكل متزايد. ورغم التصحيح الأخير في الأسواق المالية، لا تزال تقييمات أسعار الأصول مرتفعة، والتي يستفيد منها بشكل رئيس الأثرياء.

ولقد تلاعب الاحتياطي الفيدرالي حتى وقت قريب من عام 2020، بفكرة السماح للتضخم بالارتفاع فوق هدفه لفترات طويلة، لتعويض فترات التضخم الأقل من المستهدف، وهذا التحيز «غير المتكافئ»، يميل في الاتجاه الخاطئ، فتاريخياً، يؤدى ارتفاع التضخم إلى تباطؤ النمو، بينما لم يؤدِ انخفاض التضخم إلى زيادة النمو. وبالعودة إلى المحركات البخارية، غالباً ما زادت التقنيات الجديدة الإنتاجية، ما أدى إلى زيادة الإنتاج مع خفض الأسعار.

وإن كان هناك أي مبرر، فإن هناك حجة لتخفيض الهدف دون 2%. وهذا الرقم يستند إلى تعليق غير رسمي من مسؤول في نيوزيلندا في ثمانينيات القرن الماضي، والذي كان يحاول إرسال إشارة إلى جدية بلاده في محاربة التضخم، الذي كان مرتفعاً في ذلك الوقت في جميع أنحاء العالم. وقد نجحت الإشارة، وانخفض التضخم، وأصبح هدف الـ 2% شائعاً. والآن، تبدو الإشارة ضعيفة في الولايات المتحدة.

في بقية العالم، فإن العديد من البنوك المركزية أكثر جدية، والتضخم يقترب من أهدافه، أو على الأقل في نطاقه.

وأعاد بنك الاحتياطي الفيدرالي تأكيد تحيزه في سبتمبر الماضي، وفي رد فعل على علامات ضعف طفيفة في سوق العمل، قام بتخفيض سعر الفائدة الرئيس بمقدار 50 نقطة أساس، أي ضعف توقعات السوق.

وقفزت أسعار الأسهم من جديد، وتسارع التضخم. وليس من المستغرب أن الأسواق الآن تراهن على أنه سيتفاعل بشكل مشابه مع تعريفات ترامب، من خلال المزيد من تخفيضات أسعار الفائدة.

وغالباً ما ينظر إلى انتقاد الاحتياطي الفيدرالي على أنه من اختصاص الأشخاص الذين يرغبون في إعادة نظام الذهب، أو التدخل في استقلالية البنك المركزي. لكن السبب الرئيس في تحرير الاحتياطي الفيدرالي من الضغوط السياسية، هو تمكينه من اتخاذ خطوات غير شعبية للسيطرة على التضخم، عندما يكون ذلك ضرورياً.

ولا يجب أن يعني الاستقلال، تجنب تحميله المسؤولية عن إخفاقاته المتكررة في تحقيق هدف التضخم. يجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يعزز استقلاله، بعدم الانصياع لضغوط ترامب، الذي يتوقع بشكل متوقع خفض أسعار الفائدة الآن.

ولا يزال الأمريكيون يعانون ارتفاع الأسعار، حيث تظهر الاستطلاعات أن التضخم من أبرز اهتماماتهم، وأن الثقة في الاحتياطي الفيدرالي، تتراجع بشكل حاد.

واعترف باول نفسه يوم الجمعة، بالمخاطر المترتبة على ترسخ توقعات ارتفاع التضخم. وبعد سنوات من فشل البنك في تحقيق هدفه، وسيكون من الخطأ تجاهل الاحتياطي الفيدرالي لتأثيرات التضخم الناجمة عن التعريفات الجمركية، ويعود مرة أخرى إلى تحفيز الاقتصاد.