سارة أوكونور

عندما تقدمت للالتحاق بجامعة كامبريدج، كانت مقابلتي الأولى مع أستاذٍ كبير دعاني للجلوس، وشبك أصابعه متأملاً، ثم نظر إلي ملياً وقال: «هل الدولة القومية في حالة تراجع؟».

شعرت حينها بالإحباط؛ فلم أكن أعرف الإجابة، بل لم أكن أستوعب تماماً ما يعنيه السؤال.

لكنني كنت قد سمعت — إما في مدرستي الحكومية أو من الجامعة نفسها — أن هذه المقابلات «لا تهدف إلى اختبار ما تعرفه، بل إلى اختبار طريقة تفكيرك». لذا، أخذت نفساً عميقاً وقلت: «لست متأكدة مما تعنيه الدولة القومية».

جرت الأمور على نحو جيد في النهاية؛ إذ طمأنني الأستاذ بأن إجابتي مقبولة تماماً، ثم طرح علي أسئلة بسيطة ساعدتني على فهم المصطلح، تلتها أسئلة أخرى تعمقنا من خلالها في مناقشة السؤال الأصلي، قبل أن أفاجأ لاحقاً بحصولي على عرض للالتحاق بالجامعة.

كانت تلك التجربة محطة فارقة في مسيرتي، غير أنني وجدت مع مرور السنوات صعوبة متزايدة في التلفظ بعبارة «لا أعرف».

ولا أظن أنني وحدي من يواجه هذه المشكلة. ويمكن تفهم هذا الأمر من زوايا متعددة، فكلما تعمقت في مجال خبرتك، تنامى لديك الشعور بأنه يتوجب عليك الإلمام بكل تفاصيله، وتعاظم خوفك من أن تتضرر مصداقيتك إذا ما اعترفت بافتقارك للمعرفة في أي موقف.

بيد أن هذا النفور من الاعتراف بعدم المعرفة بات ينتشر في شتى المجالات، حتى في البيئات التي من المفترض أن يكون فيها الاعتراف بعدم المعرفة أمراً طبيعياً تماماً.

فقد كشف لي أحد الطلاب بكلية أعمال أمريكية مرموقة أخيراً عن زملاء له في المحاضرات كانوا يقومون بإدخال أسئلة الأساتذة خلسة إلى «تشات جي بي تي»، ثم يلقون الإجابات كما لو كانت نتاج تفكيرهم الشخصي.

ما تفسير هذه الظاهرة؟ أحد التفسيرات المحتملة هو غياب القدوة، فالثقة تحظى بالتقدير في الحياة العامة، بينما يندر سماع جملة «لا أعرف» في المقابلات الإعلامية.

ولا غرابة في ذلك؛ فالعديد من دورات التدريب الإعلامي تلقن المتدربين أساليب لتجنب الاضطرار لقول هذه الكلمات عند مواجهة سؤال لا يملكون إجابته (أو لا يرغبون في الإفصاح عنها).

وتتمثل أبرز الأساليب في: الإقرار بالسؤال، ثم بناء جسر للانتقال إلى منطقة آمنة («ما يجدر معرفته حقاً هو...»)، وأخيراً إيصال الرسالة التي كنت قد أعددتها سلفاً.

وقد فتحت التكنولوجيا الحديثة آفاقاً أوسع للتظاهر بالمعرفة، فمع ظهور محركات البحث أولاً، ثم نماذج اللغة الضخمة مثل «تشات جي بي تي»، بات تجنب الإحراج المصاحب للاعتراف بعدم المعرفة أيسر من أي وقت مضى.

ومع ذلك، فإن من أبرز المفارقات المتعلقة بالنماذج اللغوية الضخمة أنها تشبهنا تماماً في هذا السلوك.

فعندما تعجز عن الإجابة عن سؤال – كأن تكون غير قادرة على الوصول إلى ملف ضروري – فإنها كثيراً ما تختلق إجابة بدلاً من أن تقول «لا أعلم».

فعلى سبيل المثال، أظهرت التجارب التي خضع لها النموذج «أو 3» من أوبن إيه آي، أن النموذج قدم إجابات مغلفة بالثقة حول صور غير موجودة أصلاً في 86.7 % من الحالات.

ولعدم الاعتراف بعدم المعرفة ثمن باهظ، إذ يحرمك أولاً من فرصة التعلم الثمينة، فغالبية الخبراء يبدون كرماً استثنائياً مع من يطرح أسئلة نابعة من فضول حقيقي.

وقد انطلقت بعض مشاريعي الصحافية المفضلة على مر السنين من أسئلة مثيرة لم أكن أملك إجاباتها في البداية.

وثمة خطر آخر هو أن محاولة التظاهر بالمعرفة تقوض مصداقيتك بدرجة أكبر. وربما مررنا جميعاً بتجربة مماثلة حين يقتحم شخص موسوعي أو مطبوعة ما مجال تخصصك، لتكتشف أنهم لا يفهمون ما يقولونه. ومن تلك اللحظة، تبدأ بالتشكيك في كل ما يقدمونه، أياً كان الموضوع.

ويجب أن يولي قطاع الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة لهذا الخطر، إذ تدرك شركات التكنولوجيا أن أدواتها ستكون محدودة الجدوى في قطاعات حيوية مثل القانون والطب إذا استمرت في تقديم إجابات واثقة لكنها خاطئة.

ولهذا، تبذل جهود حثيثة لتعليم النماذج اللغوية كيفية قول «لا أعلم»، أو على الأقل التعبير عن مستوى الثقة في الإجابة المقدمة.

وتقول شركة «أوبن إيه آي» إنها دربت نموذجها الجديد «جي بي تي-5» على «الإقرار بالفشل ببساطة عند مواجهة مهام تستعصي عليه».

بيد أن هذه المعضلة ليست سهلة الحل بالكامل، فمن ناحية، تفتقر نماذج اللغة الضخمة لمفهوم «الحقيقة»، ومن ناحية أخرى، تم تدريبها على يد بشر متشبعين بالثقافة الخاطئة التي أشرنا إليها.

وكما أوضحت «أوبن إيه آي»: «سعياً لتحقيق مكافآت مرتفعة خلال التدريب، قد تتعلم نماذج الاستدلال الكذب حول إتمام المهام بنجاح، أو المبالغة في الثقة بشأن إجابات غير مؤكدة».

وبعبارة أخرى، قد لا تكون هذه الأدوات هي ما نحتاجه بالضرورة، لكنها ربما تكون الأدوات التي يستحقها كثيرون فعلاً.