تيج باريخ

تزداد احتمالات ركود الولايات المتحدة، وهناك بالفعل أسباب متعددة تؤيد وجهة النظر بأن أكبر اقتصاد على مستوى العالم سيسقط بالفعل في هوّة الركود خلال عام 2025. وتشتمل الحُجة القوية هنا على عنصرين: الأول أن الاقتصاد الأمريكي كان في واقع الأمر أضعف مما توقعه الكثيرون، حتى من قبل تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. والعنصر الثاني هو «اقتصاديات ترامب»، وهي التي زادت من قتامة التوقعات وأتاحت المجال أمام عوامل تسفر عن ركود تضخمي وإمكانية استنزاف الاستثنائية الامريكية ، وكذلك عن مخاطر على السوق المالية.

ولنبدأ بالمستهلكين، فقد زاد الإنفاق، بسبب زيادة الديون والإنفاق على الضروريات، مثل الغذاء، والمسكن، والرعاية الصحية. وسجل معدل التخلّف عن السداد أعلى مستوياته منذ 13 عاماً عند نهاية العام الماضي. كما تزيد أسعار الفائدة شديدة الارتفاع من الضغوط على كاهل الأسر.

ويمكن للأجندة السياسية للبيت الأبيض أن تزيد صعوبة الوضع بفرض ضرائب إضافية، فالتعريفات الجمركية على المكسيك وكندا، والتي تقرر تعليقها في الوقت الراهن، إلى جانب تلك المقترح فرضها على الصين، ستزيد المعدل الفعلي للتعريفات الجمركية الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1943، بحسب ما أشار إليه مختبر الموازنة في جامعة ييل، والذي يرى أن ارتفاع مستويات الأسعار سيكلّف الأسر ما يصل إلى 2,000 دولار أمريكي.

وهذه ليست سوى البداية، حيث من المُتوقع فرض الإدارة للمزيد من التعريفات الجمركية. وعلى الرغم من تكرار إرجاء المواعيد النهائية، إلا أن تأثير التعريفات على المعنويات بات جلياً بالفعل.

وعموماً، فقد هوت الثقة، وقفزت توقعات المستهلكين بشأن كل من التضخم والبطالة، وهي الثلاثية التي تنذر بالسوء. ولا تزال الأسر تحاول استيعاب ارتفاع معدلات الأسعار بنسبة 20% في أعقاب الجائحة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الاستهلاك الحقيقي انخفض في شهر يناير للمرة الأولى منذ قرابة العامين. وبذلك، صار الإنفاق بحذر أكبر هو السيناريو الأكثر ترجيحاً.

وبالنسبة لعالم الأعمال، فإن الشركات تتجرع مزيجاً قاسياً من القواعد المتقلبة بشأن التعريفات الجمركية والجمارك، إلى جانب الاندفاعية في صنع السياسات، علاوة على المستهلكين المتعثرين. ومن المتوقع أن تتسبب التعريفات الجمركية على الواردات في زيادة التكاليف، كما ستسفر التدابير الانتقامية عن تضييق الخناق على المبيعات الدولية. كما أن حالة عدم اليقين الجذري تعد بمثابة معرقل كبير لقدرة الشركات على التخطيط والتكيّف مع الظروف.

وبدت تداعيات كل هذا واضحة بالفعل في مؤشرات نشاط الأعمال. فقد كشف مؤشر محللو «غولدمان ساكس» عن انكماش المبيعات، والطلبيات الجديدة، والصادرات، والتوظيف، في شركات التصنيع والخدمات خلال شهر فبراير. كما تباطأ الإنفاق على النشاط التصنيعي، الذي كان شهد طفرة بعد قانوني الحد من التضخم والرقاقات، في ظل عدم وضوح مصير التشريعين تحت الإدارة الجديدة.

كما أصبحت التوقعات بشأن الشركات أكثر قتامة. فانخفض مؤشر خطط الإنفاق الرأسمالي الصادر عن «بي سي إيه ريسيرش» إلى النطاق الانكماشي. ومن الناحية التاريخية، ينذر ذلك دائماً بتباطؤ اقتصادي. ولفت الاتحاد الوطني للشركات المستقلة إلى تقلص خطط الشركات الصغيرة بشأن التوظيف. وقفز مؤشر «تشالنجر» للتسريح المُعتزم للعمالة بنسبة هائلة بلغت 245% في شهر فبراير.

لقد بالغ الكثيرون، قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في تقدير مدى «قوة» الدعم الذي تحصل عليه سوق العمل الأمريكية من ديناميكية القطاع الخاص. وتشكّل الحكومة، والرعاية الصحية، والمعونة الاجتماعية قرابة ثلثي الوظائف الجديدة التي خلقها الاقتصاد منذ بداية عام 2023، وكذلك نصف عدد الوظائف غير الزراعية التي أضافها الاقتصاد في شهر فبراير وبلغت 151,000 وظيفة. كما عززت الهجرة من زيادة التوظيف منذ الجائحة.

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن أهداف الإدارة الجديدة، فإنه بخلاف تداعيات عدم اليقين السياسي على القطاع الخاص، تشير تقديرات «إيفركور آي إس آي» إلى أن جهود إيلون ماسك الرامية إلى تخفيض تكاليف القطاع العام من شأنها الإطاحة بما إجماليه نصف مليون وظيفة هذا العام في الولايات المتحدة. وقد يصل عدد الوظائف المقدر إلغاؤها إلى 1.4 مليون وظيفة. ولعل الحملة المُعتزمة التي تشنها الإدارة الأمريكية على العمالة غير المُسجلة، والتي تشكّل 5% على الأقل من القوى العاملة، أن تفاقم من فقدان الوظائف.

وماذا عن المخاطر التي تواجه سوق الأسهم؟ قبل مجيء ترامب، كان مؤشر «إي آند بي 500» يسجل بالفعل مضاعفات تقييم ومستويات تركيز مرتفعة تاريخياً، وبلغت القيمة السوقية لأكبر 10 شركات أعلى مستوياتها منذ عدة عقود، لكن الأسواق قللت تقدير المدى الذي قد يذهب إليه الرئيس في جدول أعماله السياسي، وهو ما برز من خلال التصحيح الأخير الذي اعترى سوق الأسهم الأمريكية، لتعود إلى مستويات ما قبل الانتخابات.

وفي العام الماضي، ذهب محللون إلى أن ارتفاع تقييمات مؤشر «إس آند بي 500» ليست باعثاً على قلق شديد، لأن هذه التقييمات كانت تعكس تقديرات أعلى بشأن الأرباح، بالإضافة إلى ما يَعِد به الذكاء الاصطناعي، لكن التفاؤل بشأن الأرباح ينحسر حالياً. ويترك عدم اليقين بشأن الذكاء الاصطناعي وأشياء أخرى تداعيات واضحة على خطط المبيعات والاستثمار. وبعبارة أخرى، ثمة مجال أمام انخفاض أسعار الأسهم.

ويحمل التهديد الذي يمثله تراجع السوق في طياته عواقب اقتصادية حقيقية، بالنظر إلى أن حيازات الأسر من الأسهم كجزء من إجمالي أصولها تبلغ مستويات مرتفعة قياسية. وعموماً، تبدو المخاطر المالية الأوسع نطاقاً أكثر احتمالية.

إن خطط الإدارة لسد فجوة العجز عن طريق إيرادات التعريفات الجمركية، لا سيما إن كانت متقطعة، وكذلك ما يُدعى إدارة الكفاءة الحكومية، تثير تساؤلات كبيرة.. ويواجه الطلب على سندات الخزانة الأمريكية معوقات مُحتملة أخرى، مثل الزيادة المُرتقبة في طرح السندات الحكومية الألمانية. ومن السهولة بمكان في الوقت الراهن تصوّر أن تصبح الولايات المتحدة عالقة في حلقة مفرغة من العوائد المرتفعة والتوقعات الأكبر بشأن الديون.

وهناك أيضاً المخاطر التي قد تسفر عنها خطط ترامب، مثل إضفاء الطابع المؤسسي على الأصول المُشفرة، والتخفيف غير المدروس للقيود التنظيمية، والتلاعب المُحتمل بقيمة العملة الخضراء. ولا تعرف الأسواق كيف يمكنها تسعير كل عدم اليقين ذلك، مثل ما أصابها في الفترة الرئاسية الأولى لترامب. ومن شأن إعادة التقدير السريعة للمخاطر السياسية أن تكون دافعة لديناميكيات البيع الكثيف بأسواق السندات والأسهم، ما قد يسفر عن مشكلات في السيولة.

ثمة عدم يقين أيضاً بشأن الطريقة التي قد يتحرك بها الاحتياطي الفيدرالي في وجه عدم اليقين ذلك. ولعل أسعار الفائدة تبقى تقييدية في بداية الفترة الرئاسية الثانية لترامب، عند الوضع في الاعتبار المؤشرات غير المُقدّرة بشأن تراخي الاقتصاد في العام الماضي.

وتشهد معدلات الفائدة نمطاً ثابتاً في الوقت الراهن. ويثير ضعف التوقعات بشأن النمو تقديرات بشأن خفض الفائدة. لكن الفيدرالي قد يميل إلى اتباع نهج حذر ويُبقي على الفائدة عند مستويات مرتفعة في ضوء ارتفاع توقعات التضخم والذاكرة الحديثة للنمو الصاروخي للأسعار. وفي هذه الحالة، فقد تزداد توقعات النمو قتامة. وبطبيعة الحال، فإن المقايضة بين التضخم والنمو تتسم بصعوبة أكبر على الفيدرالي في تقييمها، ما سيعزز من مخاطر اقتراف الأخطاء.

ما النتيجة النهائية؟ يخفض الكثير من المحللين توقعاتهم بشأن الناتج المحلي الإجمالي لهذا الربع، مدفوعين في ذلك بمراكمة الشركات للواردات تحسّباً للتعريفات الجمركية. وترجح الغالبية تلاشي هذا الأمر في الربع الثاني، غير أن تعريفات ترامب الجمركية المتقطعة ستواصل تحفيز الشركات على مراكمة الواردات. وحتى في هذه الحالة، توجد صعوبة في معرفة ما قد يشحذ المعنويات ويحفز النمو، في ضوء تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع المعنويات، ومع ازدياد المخاطر المالية والاقتصاد الأقل ديناميكية بالفعل.