ارتفاع الأسهم الأوروبية له ما يبرره فأوروبا لا تسعى فقط إلى تعزيز قدراتها العسكرية بل إلى تحقيق اكتفاء ذاتي في إنتاج الأسلحة خاصة إذا لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك موثوق

روبرت أرمسترونج - أيدن رايتر

تتفوق الأسهم الأوروبية على نظيراتها الأمريكية هذا العام، والخبراء متحمسون.

وبالنظر إلى العداء الاقتصادي الذي أظهره الرئيس الأمريكي الجديد تجاه القارة، الذي ثبت أخيراً بإعلانه الأخير عن الرسوم الجمركية، فإن التفوق في الأداء هو عكس ما كان يمكن أن يتوقع المرء حدوثه.

هل هذه نقطة تحول أم مجرد خلل؟ كانت علاوة التقييم المتزايدة باستمرار للأصول الأمريكية موضوع نقاش لسنوات، وربما نشهد الآن ما يعرف بـ«الارتداد للمتوسط».

من جهة أخرى، كان هذا العام غريباً جداً؛ لذا ربما يكون من الخطأ التعمق في قراءة تحركات الأسواق.

إحدى طرق التفكير في هذا الأمر هي من خلال النظر إلى القطاعات. التفسير المتفق عليه لضعف أداء الأسواق الأوروبية خلال 15 عاماً هو أنها مليئة بأسهم القيمة التي تنتمي إلى الاقتصاد التقليدي، مثل البنوك وشركات التصنيع والتعدين، التي كان أداؤها ضعيفاً مقارنة بأسهم النمو، خاصة في قطاع التكنولوجيا.

إلا أن هذا التفسير ليس صحيحاً تماماً، وبالنظر إلى أداء القطاعات منذ 2011، نجد أن الولايات المتحدة تفوقت على أوروبا بشكل هائل في كل القطاعات، بما في ذلك قطاعات القيمة، مثل المواد الأساسية، والسلع الاستهلاكية، والصناعات، ما عدا قطاع الطاقة، حيث تقارب الأداء.

ولم تبدأ أوروبا في تقليص هذه الفجوة في العام الجاري، فخلال العامين الماضيين، ورغم ضعف المؤشرات الأوروبية الكبرى، حققت قطاعات التمويل، والصناعة، والعقارات، والطاقة، والمرافق، والرعاية الصحية، والمواد الأساسية أداء مماثلاً أو يتفوق بفارق طفيف على نظيراتها الأمريكية.

فمنذ 2023، اقتصر التفوق الأمريكي الاستثنائي على القطاعات التي تهيمن عليها أسهم شركات التكنولوجيا السبع الكبرى، والسلع الاستهلاكية الاختيارية، والاتصالات، إضافة إلى قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية.

إذاً ما نشهده هذا العام على الجانب الأوروبي ليس مفاجئاً (العديد من كبرى الشركات الأوروبية، مثل «إس إيه بي» و«إل في إم إتش» و«دويتشه تيليكوم»، سجلت بداية قوية لعام 2025)، لكن التغيير الكبير كان على الجانب الأمريكي، حيث سقطت الشركات السبع الكبار التي لا يمكن إيقافها.

إذا كان هذا صحيحاً، وكنت تشك مثلي في أن إمكانات النمو الهائلة لشركات «السبع الكبار» الأمريكية تعتمد على التوقعات، فمن المنطقي أن نفترض أن الأداء الأوروبي الذي تحسن نسبياً قد يستمر، على الأقل حتى يظهر سهم أمريكي بارز آخر في قطاع التكنولوجيا.

أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية استثناء لهذه القاعدة، فشركتا «وول مارت» و«كوستكو»، حققتا أداء متميزاً أخيراً، وتهيمنان على مؤشرات السلع الأساسية الأمريكية. ولست متأكداً من سبب عدم امتلاك أوروبا لعمالقة تجزئة مماثلين، هل يعود ذلك، وفقاً لتحليل ماريو دراغي، إلى الافتقار لسوق داخلية موحدة بشكل حقيقي؟

وشهدت أسهم شركات الدفاع الأوروبية انتعاشاً ملحوظاً، أخيراً، ففي وقت سابق من الشهر، أصر القادة الأمريكيون على ضرورة ضخ أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، المزيد في دفاعها، لتحول الولايات المتحدة تركيزها نحو أولويات أخرى. في الوقت نفسه أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم اكتراثه بالمخاوف الأمنية الأوروبية من خلال دخوله في مفاوضات مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

والارتفاع الملحوظ في الأسهم الأوروبية له ما يبرره، فأوروبا لا تسعى فقط إلى تعزيز قدراتها العسكرية، بل إلى تحقيق اكتفاء ذاتي في إنتاج الأسلحة، خاصة إذا لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك موثوق، وهذا يشير إلى أن أسهم الدفاع الأوروبية قد تكون في مسار نمو مستدام.

في الواقع، هذا الاتجاه ليس بجديد، إذ استفادت شركات الدفاع الأوروبية مثل «تاليس»، «ليوناردو»، و«بي إيه إي» من زيادة الإنفاق العسكري منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وجاءت المواقف الأمريكية الأخيرة لتعزز هذا الزخم، ما دفع الاستثمار في الصناعات الدفاعية الأوروبية نحو مزيد من النمو.

هل يمكن اعتبار أن مكاسب صناعة الدفاع الأوروبية تأتي على حساب نظيراتها الأمريكية؟

قد لا تتأثر شركات الدفاع الأمريكية على المدى القريب، لكن على المدى البعيد، قد تخفض أوروبا وارداتها من الأسلحة الأمريكية.

ووفقاً لتحليل لوريدانا مهارمي من «مورنينغستا»، فإن الإنفاق العسكري الأوروبي سيرتفع تدريجياً، ليصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، مقابل 1.9% حالياً، ما قد يمكن بعض الدول الأوروبية الكبرى من تلبية جزء كبير من احتياجاتها الدفاعية محلياً.

تشكل الأسلحة الأمريكية أكثر من نصف واردات أوروبا، لكن في الدول الأكثر إنفاقاً على الدفاع (ألمانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، إسبانيا، وبولندا)، ينخفض الاعتماد على الواردات الأمريكية إلى أقل من 8%، نظراً لامتلاكها صناعات دفاعية متطورة نسبياً وقدرات تعزز الاكتفاء الذاتي للدول الأوروبية الأصغر.

ورغم ارتفاع مشتريات أوروبا من الأسلحة الأمريكية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، لا تزال حصتها محدودة في عائدات كبرى شركات الدفاع الأمريكية، فقد شكلت أقل من 8% من إجمالي إيرادات 2024 لشركات مثل «جنرال داينمكس»، «لوكهيد مارتن»، «آر تي إكس»، و«نورثروب غرومان». رغم ذلك، لا يبدو أن أوروبا تتجه للاستغناء الكامل عن الأسلحة الأمريكية.

بحسب بيير تشاو، المحلل الدفاعي البارز لدى «رينيسانس ستراتيجيك أدفايزرز» و«بروتيوس كابيتال»، فإن هذا السيناريو مستبعد في الوقت الراهن؛ حيث يقول: «لا أعتقد أن أوروبا ستسعى يوماً إلى الاستغناء الكامل عن الواردات الدفاعية من الولايات المتحدة، فهناك تقنيات عسكرية فائقة التطور لا تمتلكها سوى الولايات المتحدة، ولن يكون من المجدي أن تحاول أوروبا تطويرها محلياً، إلا إذا كانت هناك قطيعة تامة ودائمة بين الجانبين».

ويتمثل التحدي الأكبر لشركات الدفاع الأمريكية في تراجع الطلب المحلي، وليس المنافسة الأوروبية، فوزير الدفاع الجديد، بيت هيغسيث، يسعى لخفض ميزانية «البنتاغون»، ومع انتهاء الحرب في أوكرانيا، لن تستمر الولايات المتحدة كوسيط في صفقات الأسلحة بين أوروبا وشركاتها الدفاعية.

ويقول جيف بيالوس، الشريك والرئيس المشارك لمجموعة الفضاء والدفاع والأمن في «إيفرشيدز ساذرلاند»، الذي شغل سابقاً منصباً رفيعاً في «البنتاغون»: «ارتفعت وتيرة المشتريات الأوروبية من أنظمة التسليح الأمريكية جزئياً نتيجة زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، بما في ذلك الحالات التي قدمت فيها الولايات المتحدة أنظمة بديلة ومتطورة للحلفاء الأوروبيين، فوفق هذه الآلية، تقوم الدولة الأوروبية بإرسال نظامها العسكري القديم إلى أوكرانيا، بتمويل من الميزانية الأمريكية، وبالمقابل تقوم شركات الدفاع الأمريكية ببيع نظام عسكري أكثر حداثة وتطوراً لتلك الدولة، وإذا توقفت هذه الآلية أو تباطأت، فإن ذلك سيؤثر بشكل مباشر في حجم صادرات الصناعات الدفاعية الأمريكية».

ويبدو أن قطاع صناعة الدفاع الأوروبي لا يزال أمامه مجال واسع للنمو والتوسع في المستقبل المنظور.