جينيفر هيوز

ارتفع مؤشر «إس آند بي 500» إلى مستوى قياسي جديد مدفوعاً بتكهنات حول صفقة محتملة لشركة «إنتل»، التي ارتفع سهمها بنسبة 16 %، بعد أن كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مفاوضات محتملة مع شركتي «برودكوم» و«شركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية»، لإمكانية تقسيم الشركة.

ورغم أن «إنتل» تتصدر أداء شركات التكنولوجيا في مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات هذا العام، فإن تاريخها من الأداء الضعيف على المدى الطويل هو ما جعل هذا الخبر يثير اهتماماً استثنائياً في الأوساط المالية والتكنولوجية.

ويتواصل تعثر سوق الطروحات الأولية في الولايات المتحدة، مع تسجيل ثلاث صفقات كبيرة مخيبة للآمال قبل نهاية فبراير.

وكانت البداية مع شركة «سيلبوينت»، التي رفعت نطاق سعر أسهمها، ووسعت حجم طرحها لجمع 1.4 مليار دولار، زاعمة وجود طلب قوي من المستثمرين، لكن النتيجة جاءت مخيبة للآمال مع انخفاض سعر السهم تدريجياً بعد إطلاقه في السوق.

وخلال الشهر الماضي اضطرت «فينتشر جلوبال» لخفض نطاق سعر أسهمها للنصف لجمع 1.8 مليار دولار، لكنها خسرت ثلث قيمتها لاحقاً، وتبعها طرح «سميثفيلد»، التي سعرت أسهمها دون النطاق المستهدف، محققة نصف هدفها البالغ 940 مليون دولار.

هذه النتائج المخيبة تثير مخاوف متزايدة في أوساط المال والأعمال حول صحة سوق الطروحات الأولية الأمريكي، الذي شهد تراجعاً حاداً منذ عام 2021، حيث جمعت الشركات في السنوات الثلاث اللاحقة أقل من نصف المبلغ القياسي البالغ 154 مليار دولار، الذي تم تحقيقه في ذلك العام الاستثنائي.

ويتساءل المراقبون عما إذا كان وضع سوق الطروحات العامة سيئاً حقاً كما يبدو، وتأتي تصريحات كبار المسؤولين التنفيذيين في «وول ستريت» لتؤكد هذه المخاوف، فقد أدلى بينج تشاو، الرئيس التنفيذي لشركة «سيتادل سيكيوريتيز»، بتصريحات مهمة في أكتوبر لقناة «بلومبرج»، أشار فيها إلى تحول واضح في المشهد المالي، حيث أصبح جمع رأس المال من المستثمرين الخاصين أكثر سهولة، بينما تتزايد الأعباء التنظيمية على الشركات المدرجة، مما يجعل الشركات تتردد بشكل متزايد في اتخاذ قرار الطرح العام.

وقال جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورجان»، الذي يتصدر التصنيف العالمي بين المصارف في النشاط بأسواق رأس المال، إن الشركات في الولايات المتحدة تواجه عقبات متزايدة أمام الطروحات العامة، بما في ذلك تراجع التغطية البحثية للشركات الصغيرة، وارتفاع التكاليف التشغيلية والقانونية، وتزايد أعباء التسجيل لدى الجهات التنظيمية، داعياً إلى ضرورة تبسيط وخفض تكاليف عملية الطرح العام، لتشجيع المزيد من الشركات على الإدراج.

وكشف فلاد تينيف، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمنصة التداول «روبن هود»، التي شهدت نمواً كبيراً خلال طفرة الطروحات الأولية في 2021، عن رؤيته لمستقبل التمويل في مقال نشره الشهر الماضي في صحيفة «واشنطن بوست»، حيث يرى أن التحول الرقمي للأصول قد يكون بديلاً أفضل للطرح العام التقليدي، الذي أصبح، حسب رأيه، عملية معقدة ومكلفة للغاية على مدى العقدين الماضيين، لدرجة أن الشركات الكبرى فقط هي من تستطيع تحمل تكاليفه.

ومع أن جاذبية رأس المال الخاص تمثل عاملاً مهماً في تراجع الطروحات العامة، كما أشار تشاو، إلا أن التركيز هنا ينصب على كيفية مساهمة نظام الطرح العام نفسه في إبعاد الشركات عن البورصات.

ويظهر التحليل التاريخي أن سوق الطروحات الأولية يمر بدورات متكررة، وإن اختلفت في مدتها، فعادة ما يرتفع حجم التمويل لعدة سنوات حتى يصل إلى ذروته، كما حدث في 1999 خلال فقاعة شركات الإنترنت، و2007 قبل الأزمة المالية العالمية، و2014 قبل أن تهز اضطرابات السوق الصينية الاقتصاد العالمي في 2015، وأخيراً في 2021، ثم يتبع ذلك عادة انخفاض حاد قبل أن يبدأ السوق في التعافي التدريجي.

ورغم أن الانهيار الذي أعقب طفرة 2021 كان حاداً للغاية، إلا أن الطفرة نفسها كانت غير مسبوقة، ويكفي أن نتخيل حجم السوق لو أن 162 مليار دولار، التي استثمرت في شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة في ذلك العام، قد توجهت نحو الطروحات الأولية التقليدية.

ومنذ تداعيات الأزمة المالية العالمية في 2008 بلغ متوسط عائدات الطروحات الأولية حوالي 50 مليار دولار سنوياً - وهو المستوى نفسه الذي يتوقع مصرفيو الاستثمار الوصول إليه هذا العام، كما أن توقعات نمو السوق بنسبة 50 % مقارنة بالعام الماضي تشير إلى حيوية السوق وليس تعطله، لكن لماذا تتزايد الشكاوى إذن؟ يركز المنتقدون على العبء التنظيمي، وتحديداً قانونين رئيسيين: ساربينز-أوكسلي، المعروف اختصاراً باسم «سوكس»، الذي مر على تشريعه أكثر من 20 عاماً، وقانون دود-فرانك، الذي جاء رداً على أزمة 2008.

لقد فرض «سوكس» متطلبات صارمة للإفصاح المالي وإثبات فعالية الضوابط الداخلية، أما دود فرانك فرغم أن تأثيره كان أقل حدة خارج القطاع المالي فإنه أضاف طبقة جديدة من متطلبات الإفصاح، خاصة فيما يتعلق بسياسات تعويضات المديرين التنفيذيين.

ومع ذلك فإن معظم الأدلة على تأثير هذه اللوائح في إبعاد الشركات عن الطرح العام تعتمد على القصص والتجارب الشخصية، حيث يروي المصرفيون والمحامون قصصاً متكررة عن شركات درست إمكانية الإدراج في البورصات الأمريكية، لكنها تراجعت عندما واجهت حجم متطلبات الإفصاح.

ورغم ندرة الدراسات في هذا المجال كشفت دراسة عام 2016 أن متوسط طول تقرير «10-كيه» وهو التقرير، الذي تطلبه هيئة الأسواق والأوراق المالية سنوياً من الشركات العامة عن أدائها المالي تضاعف بين 1996 و2013، ويرجح أن هذا التعقيد المتزايد يثني الشركات عن الطرح العام، ويحد من إقبال المستثمرين.

وجاء عام 2021 ليدحض الادعاءات حول تأثير القواعد التنظيمية على سوق الطروحات الأولية، ففي ذلك العام، وبالرغم من وجود كل القواعد التنظيمية المذكورة، قررت 397 شركة - وهو أكبر عدد للشركات منذ فقاعة شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات - المضي قدماً في طرح أسهمها للاكتتاب العام، وهذا يشير إلى علاقة واضحة بين المبالغة في تقييمات الشركات وتزايد الشكاوى من تعطل سوق الطروحات الأولية.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن يكون الإحباط الحالي ناتجاً عن توقيت طفرة سوق الأسهم خلال العامين الماضيين، أكثر من كونه نتيجة للقواعد التنظيمية؟ فقد جاءت هذه الطفرة في وقت بدأت فيه الطروحات الأولية رحلة تعافٍ متعددة السنوات، وبينما من المعروف أن الشركات تتجنب الطرح العام في سنوات تراجع السوق، وأن سنوات الطروحات الجيدة تستفيد من نشاط السوق، إلا أن البيانات تشير إلى أن قوة سوق الأسهم لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة في عدد الإدراجات الجديدة - وعام 2019 يقدم مثالاً واضحاً على ذلك.

وفي هذا السياق لفت روب ستو، رئيس فريق أسواق رأس المال في باركليز أمريكا، إلى وجود اهتمام كبير من جانب المستثمرين بالطروحات الجديدة. وقال ستو: «نرى اهتماماً واضحاً وتركيزاً من جانب المستثمرين، لكن في الوقت نفسه ما زال هناك حساسية ملحوظة تجاه الأسعار، وحذر في اتخاذ القرارات الاستثمارية.

كما نلاحظ تردداً من جانب الشركات، وهو أمر مفهوم نظراً لضعف النشاط، الذي شهدناه في السنوات القليلة الماضية. ما نحتاج إليه الآن هو رؤية نشاط مستدام في السوق، وصفقات ناجحة من حيث التسعير والأداء في التداول، لمنح الثقة لكل من المستثمرين والشركات».

وبالرغم من البداية غير المشجعة لهذا العام فإنه يبدو أن سوق الطروحات الأولية سيواصل مسار تعافيه التدريجي دون الحاجة إلى تغييرات جوهرية في القواعد التنظيمية، ما لم نشهد انهياراً مفاجئاً في السوق. ومع ذلك يجب ألا نتوقع عودة الطفرة الاستثنائية، التي شهدناها في السنوات الماضية.