آن-سيلفين تشاساني - لورا بيتيل - هنري فوي

اعترى الغضب الواضح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بعدما أكّد جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، أن أوروبا ذاتها هي التي تحوّلت إلى تهديدٍ للقيم الديمقراطية، أكثر مما فعلته روسيا أو الصين. وقد سُمِعَ بيستوريوس وهو يتمتم بانزعاج: «هذا غير مقبول».

وكان الزعماء الأوروبيون، والجنرالات ورؤساء أجهزة الاستخبارات، اجتمعوا في المؤتمر السنوي للأمن في ميونيخ، مترقبين بفارغ الصبر إجاباتٍ واضحةً عن تساؤلاتٍ حيويةٍ، مثل كيفية إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وكيفية تعزيز التحالف العابر للأطلسي.

وبدلاً من ذلك، صبّ مبعوث دونالد ترامب هجومه عليهم بزعمه قمعهم حرية التعبير، والفشل في وقف الهجرة الجماعية، وأنهم يبدون كأنهم ينتمون إلى مجموعة الدعائيين من الحقبة السوفييتية لاستخدامهم مصطلحات مثل «المعلومات المضللة، والبيانات الكاذبة».

وبعد الكلمة التي ألقاها فانس، هرع بيستوريوس إلى إحدى الغرف بصحبة اثنين من المستشارين لإعادة صوغ الكلمة التي كان من المقرر أن يلقيها في المؤتمر بعد ظهيرة اليوم ذاته.

وبعد أقل من ساعة، وقف الوزير الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والذي ساعده حديثه الصريح على أن يكون السياسي الأكثر شعبية في ألمانيا، على المنصة وقد بدا غاضباً بجلاء.

وقال في كلمته إنه يتحدث عن فناء الديمقراطية، وإن فهمته بشكل صحيح، فقد عقد مقارنة بين الوضع في أجزاء بعينها في أوروبا وأنظمة قمعية، وتابع: سيداتي وسادتي، هذا غير مقبول.

كانت العبارات الحادة التي تفوه بها فانس مجرد جزء من أسبوع حافل بالصدمات للأوروبيين، الذين اكتشفوا اتصال ترامب بالرئيس فلاديمير بوتين لبدء مفاوضات فورية في شأن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا من دون التشاور معهم أو مع كييف.

ولا يوجد مكان في أوروبا تسببت فيه تصريحات فانس بالاضطرابات والغضب أكثر من ألمانيا التي استضافت المؤتمر، ومن المُقرر أن تشهد انتخابات في الأسبوع المقبل في ظل بروز اليمين المتطرف.

وعلى مدى العقود الثمانية الماضية، شكّلت العلاقة العابرة للأطلسي العماد الذي استندت إليه النهضة الديمقراطية للبلاد، وتعافيها الاقتصادي، وحمايتها العسكرية. وتردد صدى كلمات نائب الرئيس الأمريكي حتى لدى أعتى المؤيدين للتحالف العابر للأطلسي.

فقد اتهم فريدريش ميرز، زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي البالغ من العمر 69 عاماً وهو المُرشح الأوفر حظاً ليفوز بمنصب المستشار الألماني التالي، إدارة ترامب بالتدخل شديد العلانية في الانتخابات.

وفي أعقاب عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تأهب المسؤولون الألمان إلى تلقي التوبيخ من الرئيس الأمريكي، الذي كان استهدف في فترته الرئاسية الأولى المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل.

وأدرك المسؤولون الألمان أنه سيتعين عليهم ضخ المزيد من الأموال في الدفاع بعد أعوام من الإخفاق في الوفاء بهدف حلف ناتو بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وعلموا أيضاً أن فائضهم التجاري الكبير مع الولايات المتحدة يمكن أن يسفر عن تعريفات جمركية موجعة على واردات السيارات.

ولكنهم لم يكونوا مستعدين لأن يشن ترامب ودائرته المقربة هذه الهجمات على الأسس المنظمة لنظامهم السياسي، بل الوقوف خلف حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف الذي لطالما حاولت الأحزاب الرئيسة عزله عن طريق جدار ناري يجعل من التعاون معه محرماً.

وفي الكلمة التي ألقاها فانس فقد دعا إلى وضع حد لمثل الجدران النارية هذه. وبعد وقت وجيز، اتخذ فانس خطوة غير مسبوقة بالاجتماع مع أليس فايدل، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، بعدما منعها منظمو المؤتمر حضوره.

وفي الوقت ذاته، بدا أن فانس رفض لقاء المستشار الألماني وزعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أولاف شولتس، الذي يُتوقع أن يأتي حزبه الذي لا يحظى بالشعبية في المرتبة الثالثة بالانتخابات التي تُجرى في يوم 23 فبراير الجاري.

وأعلن شولتس في كلمة له، أن ألمانيا لن تقبل تدخّل الغرباء لمصلحة هذا الحزب في ديمقراطيتنا، وفي انتخاباتنا، واستطرد: هذا ليس مقبولاً، ولا سيما بين الأصدقاء والحلفاء. سنقرر ما سيحدث لديمقراطيتنا بأنفسنا.

وعزّزت انتقادات فانس حالة الاضطراب التي تمر بها ألمانيا، أما بالنسبة لحزب البديل من أجل ألمانيا، الذي كان منبوذاً في ما سبق حتى من قِبَل أمثال مارين لو بان في فرنسا، فقد بات مسروراً بحفاوة استقبال اليمين الشعبوي العالمي له.

وكان الحزب حصل في بادئ الأمر على دعم إيلون ماسك، مالك منصة إكس ومساعد ترامب، والذي استمالته فايدل بصورة شخصية منذ ما يربو على العام.

كما استضاف رئيس الوزراء المجري في بودابست، فيكتور أوربان، فايدل، التي من المُتوقع أن يحصد حزبها نسبة قياسية من الأصوات قدرها 20%. وقد حرص أوربان على أن يصفها بأنها المستقبل، ودعا إلى الترحيب بها في المحافل الغربية.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها العلاقات الألمانية-الأمريكية لضغوط في مؤتمر ميونيخ، الذي يعد واحداً من أكثر المحافل أهمية بالنسبة لأعضاء التحالف العابر للأطلسي لأكثر من 60 عاماً.

وتصادم المسؤولون الألمان والأمريكيون في ما مضى في شأن غزو الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو بوش، للعراق، وكذلك إثر التزام ألمانيا خط نورد ستريم 2 للأنابيب مع روسيا. ولكن المواجهات بين البلدين لم تكن بمثل هذه الحدة.

وينقسم المندوبون الأوروبيون الغاضبون إلى فريقين: ففريق منهم اعتبروا كلمات فانس وأفعاله إشارة إلى حاجة القارة إلى الخروج بخطة على وجه السرعة لوضع حد للاعتماد على الدعم الأمريكي، وهؤلاء الذين اعتقدوا بأن نائب الرئيس الأمريكي كان مستفزاً بصورة متعمدة.

وقالت كايا كالاس، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، لصحيفة فاينانشال تايمز: لا نرغب في فك الارتباط بالولايات المتحدة، وآمل أنهم لا يريدون ذلك هم أيضاً.

وأردفت: لا نرغب في بدء شجار على أساس التصريحات. كما وجد بعض المسؤولين الألمان أملاً بحقيقة أن فانس وهيغسيث بدوا أكثر تصالحاً في الاجتماعات الخاصة.

في المقابل شعر آخرون بالقلق. ولذلك لفت أنتون هوفريتر، النائب عن حزب الخُضر الألماني إلى أن فانس سياسي يميني، مدعوم من جانب الأوليغارشية التي تشكّلها كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية والتي تهدف إلى تدمير الاتحاد الأوروبي رويداً رويداً.

كما عد روبرت هابيك، نائب المستشار وزعيم حزب الخضر، أن كلمة فانس كانت نقطة تحول في العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.