محمد العريان

الكاتب رئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج، وهو أيضاً مستشار لمؤسستي «أليانز» و«غراميرسي»

تخيل محاولة اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بممارسة الأعمال التجارية داخل الولايات المتحدة، وسط سيل من الأخبار والتغييرات السياسية التي تعلنها واشنطن في الوقت الحالي.

من الطبيعي أن يشعر بعض قادة الشركات بالحذر في مواجهة هذا الوضع.

ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من هذا الغموض يضاف إلى المشهد العام الذي يتسم بتوقعات اقتصادية ومالية عالمية بعيدة كل البعد عن الاستقرار أو الأوضاع الطبيعية.

لقد شعر العديد في مجتمع الأعمال بالولايات المتحدة بحماس كبير في البداية تجاه إدارة ترامب الجديدة، لكن الوضع الحالي يثير مخاوف متزايدة من أن الشركات قد تتجه إلى تبني نهج الانتظار والترقب بشكل أكبر فيما يتعلق بالاستثمار والإنفاق بشكل عام.

وحال حدوث ذلك واستمراره، فلن يواجه العالم تهديد تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل ستتعرض «الاستثنائية الاقتصادية» الأمريكية للخطر، وهي التي لعبت دوراً حيوياً في حماية الاقتصاد العالمي والأسواق من الكثير من العوامل المربكة.

لقد باشرت إدارة ترامب العمل بسرعة، خصوصاً فيما يتعلق بالمجالات السياسية الخمسة التي أكد الرئيس الأمريكي عليها خلال حملته الانتخابية، وهي التعريفات الجمركية، وتخفيف القيود التنظيمية، والطاقة، والهجرة، وإصلاح القطاع العام.

وكانت البيانات اليومية، وأحياناً الكثير منها في اليوم ذاته في بعض الأحيان، تقدم دلالات واضحة على أنها إدارة ذات توجه عملي ولديها أجندة سياسية محددة.

لكن هذه البيانات تثير تساؤلات بشأن قدرة الجهاز الحكومي على تنفيذ هذا الكم الكبير من التغييرات، بالإضافة إلى مدى الاتساق الداخلي لبعضها البعض، كما يوجد قلق بشأن ردود فعل الشركاء التجاريين، والشركات، والأسر كذلك.

وتؤثر أوجه عدم اليقين بالنسبة للشركات على كل من الدخل والنفقات، ويمكن أن تؤدي البيانات والتصريحات ذات الصلة بالتعريفات الجمركية إلى ازدياد التكاليف التي تتكبدها الشركات الأمريكية، كما أنها ستؤثر على الوصول إلى أسواق أخرى.

كذلك يمكن أن يؤثر ترحيل المهاجرين غير الشرعيين على أداء سوق العمل. وبالنسبة لإصلاحات القطاع العام، فرغم أنها توفر آمالاً بإفساح المجال أمام تخفيضات ضريبية، إلا أنها تقوض الأمان المالي لبعض المستهلكين وكذلك المِنَح التي تدعم أنشطة البحث والتطوير.

ويمكن للشركات أن تستفيد بالفعل من تخفيف القيود التنظيمية، كما أن إدارة ترامب تسعى إلى تخفيض تكاليف الطاقة. لكن مزيجاً من الفرص والمخاطر ينتج عن هذه التحركات، وهو ما يزيد من صعوبة بيئة تشغيلية تتسم بالتعقيد بالفعل.

ويأتي صدور تقرير يفوق التقديرات للتضخم الأمريكي لشهر يناير ليذكر الجميع بأن تحقيق مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمستهدفه ذي الصلة باستقرار الأسعار لن يتأتى تلقائياً.

وخارج الولايات المتحدة، توشك منطقة اليورو والمملكة المتحدة على الوقوع في ركود، بينما تواصل الصين، وبصورة غير معهودة، ترددها في إصدار قرارات سياسية مهمة. ويحدث كل ذلك فيما يبقى الوضع الجيوسياسي متقلباً.

ويتحتم على الشركات أيضاً أن تواجه فترة من التحول التام عن جهود استمرت طوال عقود عدة لتحقيق تناغم بين القواعد التنظيمية والمعايير في كبرى الاقتصادات.

وساعدت جهود تحقيق التناغم هذه في تقليل تكلفة ممارسة الأعمال على مستوى العالم. أما الآن، فيجب على الشركات التغلب على اتجاهات متباينة فيما يتعلق بالقواعد التنظيمية، والاستدامة، ومسائل مثل التنوع والشمول، خصوصاً بين أوروبا والولايات المتحدة.

وحال استمرارها، فإن أوجه عدم اليقين المتزايدة هذه تعزز مخاطر سحب البساط من تحت زخم النمو الأمريكي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إنفاق هائل على المحركات المستقبلية للازدهار، مثل الذكاء العام الاصطناعي، كما يمكن لأوجه عدم اليقين هذه أن تقلل من الثقة في استقرار كل من الأسعار والأسواق المالية.

ويتمثل الخطر الناجم عن كل ذلك في حدوث التقارب العالمي على نحو خاطئ.

فبدلاً من جذب الاستثنائية الولايات المتحدة للاقتصادين الصيني والأوروبي المتباطئين، فإن عبء أوجه عدم اليقين يخاطر بجذب الولايات المتحدة إلى أسفل لتنضم إلى هذين الاقتصادين.

وخلال العقد الماضي أعادت بعض صناديق التحوط البارزة أموالاً إلى مستثمريها الخارجيين، وأفادت أنهم لم يعودوا يفهمون البيئة التشغيلية القائمة.

وقد أسفر التدخل الشديد للمصارف المركزية لتحجيم أسعار الفائدة عن قلب موازين الأمور التقليدية للعوائد، والتقلبات، والارتباطات بين فئات الأصول. ولدى إخفاقها في التعاطي مع أوجه عدم اليقين للبيئة التشغيلية الأخيرة، قررت صناديق التحوط إعادة الأموال إلى المستثمرين بدلاً من المخاطرة بالإضرار بسمعتها التي اكتسبتها بشق الأنفس.

ومن غير المرجح أن تستجيب الشركات لعدم اليقين بالطريقة ذاتها، لكن عدداً منها شرع في الانسحاب من السوق بصورة غير مريحة.

وحتى إن لم يكن هذا هو السيناريو الأساسي لاستثمارات الشركات وإنفاق المستهلكين، فإنه يجب معالجة هذا الأمر من خلال وضوح سياسي أكبر وإجراءات تنفيذية متسقة، قبل أن يسفر الوضع عن ديناميكياته الضارة. وعلى أية حال، فإنه لا الولايات المتحدة ولا بقية العالم يمكن أن يتحمل عواقب فقدان الاستثنائية الاقتصادية الأمريكية.