كريس جايلز

أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، بشكل متكرر أن إطار سياستهما النقدية «تقييدي»، ما يثير على الفور السؤال التالي: ما هو المستوى المحايد لأسعار الفائدة الذي لا يعوق النشاط الاقتصادي ولا يحفزه؟

لحسن الحظ نشر كلا البنكين المركزيين أحدث تقييماتهما لأسعار الفائدة الطبيعية أو الحيادية نهاية الأسبوع الماضي، ما أتاح لي فرصة المقارنة بينهما، إلا أنه هناك شيء يجب الإشارة إليه، هو أنني لا أفرق بين مصطلحي «الفائدة الطبيعية» و«الفائدة الحيادية»، إذ يفضل البنك المركزي الأوروبي استخدام مصطلح «الطبيعية»، بينما يفضل بنك إنجلترا مصطلح «الحيادية»، لكن المفهوم واحد في النهاية.

هناك العديد من أوجه التشابه في تقييمات البنكين، ولإضافة المزيد من الإثارة فقد تمكن كلاهما أيضاً من إدخال تناقض صارخ ليسعدنا، فقد أكد البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أن سعر الفائدة المحايد أمر غير مؤكد إلى حد كبير، ولا يمكن وصفه إلا كنطاق، قد يتغير. ومن حيث القيمة الاسمية، قالت لاغارد في منتدى دافوس، إن نطاق الفائدة الحيادي يتراوح بين 1.75 % و2.25 %، وهو ليس بالأمر المستغرب، إذ إن هذا هو النطاق نفسه، الذي جاء في التقييم الرسمي للبنك المركزي الأوروبي.

أما بنك إنجلترا فكان أكثر حذراً، إذ استند إلى دراسة سابقة أجريت عام 2018، سلطت الضوء على نطاق يراوح بين 2 % و3 %، مع تقدير وسطي عند 2.25 %، ويرى البنك حالياً أن النطاق قد يكون أعلى قليلاً، لكنه غير متأكد تماماً من مقدار الارتفاع، وقالت نائبة المحافظ، كلير لومبارديلي: «إذا جمعنا كل هذه العوامل معاً فقد نستنتج أننا في نطاق 2 % إلى 4 %. إنه نطاق واسع للغاية».

وتتمثل فائدة التقييمين في أن أسعار الفائدة الحالية أعلى من هذه المستويات، لذلك يمكن للمسؤولين القول إنها تقييدية دون مزيد من التوضيح، والسؤال هو: هل يستخدم المسؤولون هذه التقديرات؟

الإجابة هي: نعم ولا، لأن معدل الفائدة المحايد يعمل بشكل غير مباشر داخل العديد من النماذج الاقتصاد الكلي، ما يوفر قوة جذب تسحب التوقعات تدريجياً نحو هذا المستوى المتوازن بمرور الوقت. كما تساعد هذه التقديرات المسؤولين على التفكير في مدى تحفيز أو تقييد السياسة النقدية للبنوك المركزية. رغم ذلك شدد البنكان على أن هذه التقديرات لا تحتل مكانة بارزة في صنع القرار اليومي.

وأكد البنك المركزي الأوروبي أنه لا ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بجدية مفرطة، موضحاً: «لا يمكن اعتبارها مقياساً آلياً يحدد السياسة النقدية المناسبة في أي وقت»، وأشار مجدداً إلى أن قراراته تستند إلى توقعات التضخم، وديناميكيات التضخم الأساسي، وتقييمه لتأثير السياسة النقدية على الاقتصاد.

أما بنك إنجلترا فقد أشار إلى أن تقييمه لمعدل الفائدة المحايد «يلعب دوراً» في تحديد السياسة النقدية، لكنه يأتي إلى جانب عوامل أخرى، مثل الأوضاع المالية، واتجاهات ادخار الأسر، واستطلاعات آراء المشاركين في السوق، والتقييمات الدورية للاقتصاد، وقال المحافظ أندرو بيلي: «هناك درجة عالية من عدم اليقين حول هذا الأمر، ولهذا السبب لا نستخدمه في تحديد أسعار الفائدة».

فلماذا يعد معدل الفائدة المحايد غير مؤكد لهذا الحد؟ لأن معدل الفائدة المحايد مفهوم نظري لا يمكن قياسه ولا حسابه إلا من خلال نماذج اقتصادية. وتؤدي اختلافات النماذج إلى نتائج متباينة، وسيقدم كل نموذج إجابات وتقديرات محتملة، ورغم أنها مفيدة جداً لصناع السياسات، إلا أنها أيضاً الأقل يقيناً، والأكثر عرضة للمراجعة.

وقام البنك المركزي الأوروبي بعمل أفضل من بنك إنجلترا في تسليط الضوء على أوجه عدم اليقين، ونشر تقديراته مرفقة بهوامش ثقة، وعلى عكس بنك إنجلترا لم ينشر توقعاته حول أسباب التحركات الأخيرة المحتملة في أسعار الفائدة المحايدة.

ويبرز تناقض كبير في عمل البنك المركزي الأوروبي، إذ أعلنت كريستين لاغارد أن النطاق المحايد يتراوح بين 1.75 % و2.25 %، إلا أن ذلك ينطبق فقط إذا تجاهلنا قياس هولستن ولاوباتش وويليامز، الذي أشار البنك المركزي الأوروبي نفسه إلى أن نطاقه الاسمي يتراوح بين 1.75 % و3 %.

وبأخذ جميع المقاييس في الاعتبار لم يعد من الواضح أن السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي ذات طابع تقييدي مقارنة بتقديرات المعدل المحايد.

وحاول البنك تفسير هذا التناقض بالقول إن نطاق 1.75 % إلى 2.25 % يشمل جميع المقاييس «التي تتوفر لها تحديثات حتى نهاية عام 2024»، ويبدو أن هذا التبرير صيغ بهذه الطريقة لأن الرئيسة لاغارد أعلنت النطاق المحايد في مقابلة تلفزيونية في يناير. أما بنك إنجلترا فواجه تناقضاً آخر، إذ صرح مسؤولوه بثقة، بمن فيهم أندرو بيلي، بأن المعدل المحايد هو «مفهوم عالمي»، وليس مقياساً خاصاً بالمملكة المتحدة، لكن المشكلة تكمن في أن النطاق 2 % إلى 3 % المستمد من تحليل 2018 كان متعلقاً بالمملكة المتحدة تحديداً، كما أن تحليل البنك الأوسع نطاقاً حول ما إذا كان معدل الفائدة المحايد سيرتفع بسبب سياسة مالية أكثر مرونة مستقبلاً، لا يتطابق مع الخطط المالية الحالية للمملكة المتحدة.

لحسن الحظ لا تعتمد البنوك المركزية الأوروبية كثيراً على هذه التقديرات عند صياغة السياسات النقدية، إذ تبدو هذه الأرقام غير مؤكدة، كما أن التحليل لا يصمد جيداً عند التدقيق.