في-في لي

يتقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، وما كان يستغرق أياماً من العمليات الحسابية بات ينجز في دقائق، ورغم الارتفاع الكبير في تكاليف التدريب، فإنها ستشهد انخفاضاً قريباً، بفضل التطورات المستمرة، التي تمكن المطورين من تحقيق المزيد عبر استخدام موارد أقل، وكما قلت سابقاً وأكرر الآن: مستقبل الذكاء الاصطناعي هو الآن.

وبالنسبة للمتخصصين في هذا المجال فإن هذا التطور ليس مفاجئاً، فقد ظل علماء الحاسوب يعملون بجد، واستمرت الشركات في الابتكار لسنوات، لكن الأمر المدهش حقاً هو غياب إطار شامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي، ومع تقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة، يكمن التحدي الأكبر في ضمان استفادة البشرية جمعاء من إمكاناته.

وبصفتي عالمة تكنولوجيا ومعلمة أؤمن بشدة بأن كل فرد في المنظومة العالمية للذكاء الاصطناعي مسؤول عن التقدم، وضمان اتباع نهج يتمحور حول الإنسان.

إنها مهمة صعبة، وتتطلب مجموعة من الإرشادات المنظمة، ومع انعقاد «قمة عمل الذكاء الاصطناعي» في باريس أود أن أستعرض ثلاثة مبادئ أساسية لمستقبل السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي:

- أولاً، الاعتماد على العلم وليس الخيال العلمي: يقوم العمل العلمي على أساس الاعتماد المنهجي على البيانات التجريبية والبحث الدقيق، ويجب أن يُطبق النهج ذاته على حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وبينما تستحوذ السيناريوهات المستقبلية على خيالنا - سواء كانت المدينة الفاضلة أو نهاية العالم- إلا أن وضع سياسات فعالة يتطلب رؤية واضحة وواقعية للوضع الحالي.

وقد أحرزنا تقدماً كبيراً في مجالات مثل التعرف على الصور ومعالجة اللغات الطبيعية، فعلى سبيل المثال تحدث برامج الدردشة الذكية وبرامج المساعدة مثل «co-pilot» تحولاً جذرياً في بيئات العمل بطرق مثيرة، لكنها تعتمد على تعلم البيانات المتقدم وتوليد الأنماط.

وهذه النماذج ليست أشكالاً من الذكاء تمتلك نوايا أو إرادة حرة أو وعياً ذاتياً، وإدراك هذه الحقيقة أمر بالغ الأهمية، إذ يحمينا من التشتت بسيناريوهات بعيدة الاحتمال، ويمكننا من التركيز على التحديات الجوهرية.

ونظراً لتعقيد الذكاء الاصطناعي فإن التركيز على واقعنا الحالي ليس بالأمر السهل دائماً. ولسد الفجوة بين التقدم العلمي والتطبيقات الفعلية نحتاج إلى أدوات توفر معلومات دقيقة ومحدثة حول إمكاناته.

ويمكن للمؤسسات الراسخة، مثل المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا، أن تسلط الضوء على التأثيرات الفعلية للذكاء الاصطناعي، مما يساعد في وضع سياسات دقيقة وقابلة للتنفيذ تستند إلى واقع تقني ملموس.

- ثانياً، التحلي بالواقعية بدلاً من الإيديولوجية: رغم التقدم السريع للذكاء الاصطناعي، لا يزال هذا المجال في مراحله الأولية، ويتوقع أن تكون إسهاماته أكبر بكثير في المستقبل.

وبناء على ذلك يجب أن تصاغ السياسات المتعلقة بما يمكن، وما لا يمكن تطويره بشكل عملي، بحيث نقلل من العواقب غير المقصودة مع تحفيز الابتكار.

لنأخذ على سبيل المثال استخدام الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض بدقة أكبر، إذ يمكن لهذه التقنية أن تسهم في توفير رعاية طبية عالية الجودة على نطاق أوسع، مما يعزز إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، ومع ذلك إذا لم يتم توجيهها بشكل صحيح، فقد تؤدي أيضاً إلى تفاقم التحيزات القائمة في أنظمة الرعاية الصحية الحالية.

وتطوير الذكاء الاصطناعي ليس مهمة سهلة، ومن الممكن تطوير نموذج بأفضل النوايا، ثم إساءة استخدامه لاحقاً، ولذلك فإن سياسات الحوكمة المثلى يجب أن تُصمم بشكل استراتيجي للحد من هذه المخاطر، مع تشجيع التنفيذ المسؤول.

وينبغي لواضعي السياسات صياغة أطر قانونية عملية للمسؤولية، بحيث تردع الاستخدام المتعمد للذكاء الاصطناعي في الأغراض الضارة، دون فرض عقوبات غير عادلة على الجهود المبذولة بحسن نية.

- أخيراً تمكين منظومة الذكاء الاصطناعي: يمكن لهذه التكنولوجيا أن تلهم الطلاب، وتساعدنا في رعاية كبار السن، وتبتكر حلولاً للطاقة النظيفة.

وتأتي أفضل الابتكارات من خلال التعاون، مما يجعل من الضروري أن يعمل واضعو السياسات على تمكين المنظومة الكاملة للذكاء الاصطناعي، بما يشمل المجتمعات مفتوحة المصدر والمؤسسات الأكاديمية.

ويعد الوصول المفتوح إلى نماذج الذكاء الاصطناعي وأدوات الحوسبة أمراً بالغ الأهمية لدفع عجلة التقدم، والحد من هذا الوصول سيؤدي إلى خلق عوائق وإبطاء الابتكار، خصوصاً في الأوساط الأكاديمية، التي تفتقر إلى الموارد الكافية مقارنة بالقطاع الخاص.

ولا تقتصر تبعات هذه القيود على المجال الأكاديمي فحسب، بل تمتد إلى القطاع الصناعي أيضاً، فإذا لم يتمكن طلاب علوم الحاسوب اليوم من إجراء الأبحاث باستخدام النماذج المتقدمة، فلن يكون لديهم الفهم العميق لهذه الأنظمة المعقدة عند دخولهم إلى القطاع الخاص أو تأسيس شركاتهم الخاصة، مما سيخلق فجوة خطيرة.

لقد باتت ثورة الذكاء الاصطناعي واقعاً، ونحن متحمسون لها، ولدينا الفرصة لإحداث تحسينات جذرية في حياة البشر في عالم تدعمه تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكن لتحقيق ذلك نحن بحاجة إلى حوكمة تستند إلى أسس علمية، وتعتمد على التعاون، وتتمحور حول القيم الإنسانية.

المديرة المشاركة المؤسسة لمعهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان