مارتن ساندبو
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يتعين على الأوروبيين أن يلتفتوا إلى أمر مقلق، حيث يطالبه كبار رجال صناعة التكنولوجيا المقربون منه بالحد من نفوذ الاتحاد الأوروبي وقوانينه التنظيمية، وبالرغم من أن هذا يعكس اعترافاً ضمنياً بقوة الاتحاد الأوروبي - وهو ما يتجاهله الأوروبيون أنفسهم - إلا أنه يشكل تهديداً حقيقياً، فالتحدي الحقيقي الذي يواجه أوروبا ليس مجرد ضعف قدرتها التنافسية، بل خطر وقوعها تحت السيطرة الأجنبية.
مع انعقاد قمة الذكاء الاصطناعي في العاصمة الفرنسية باريس هذا الأسبوع يواجه القادة الأوروبيون تحدياً كبيراً في كيفية التعامل مع التحولات الكبيرة في الاقتصاد الرقمي.
وهناك نزعتان خطيرتان لدى السياسيين الأوروبيين ينبغي تجنبهما: الأولى هي محاولة تفادي أي مواجهة اقتصادية مع الولايات المتحدة على أمل الحفاظ على العلاقات التقليدية، والثانية هي السعي لتقليد النموذج الأمريكي في التطور الرقمي بدلاً من تطوير نموذج أوروبي مستقل، يتناسب مع احتياجات القارة وظروفها.
إن بناء نموذج رقمي أوروبي مستقل يتطلب رؤية جريئة وإرادة قوية للتغيير، وقد برز موقف مهم في هذا السياق عندما وجه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، انتقاداً حاداً لشركات وسائل التواصل الاجتماعي خلال منتدى دافوس الشهر الماضي، متهماً إياها بتركيز السلطة والثروة في أيدي قلة قليلة على حساب التماسك الاجتماعي والصحة النفسية والديمقراطية، ويمكن اعتبار هذه الظاهرة بمثابة «الفنتانيل الأوروبي» – أي أزمة اجتماعية وصحية ومدنية تتطلب معالجة فورية.
وتتجاوز المشكلة كونها أزمة اجتماعية لتصل إلى مستوى التهديد الأمني، فإيلون ماسك يسيطر على إمبراطورية تكنولوجية تشمل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والسيارات الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمدفوعات الرقمية، والتكنولوجيا العصبية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ولا يمكن اعتبار هذا التنوع مجرد صدفة، بل ينبغي التساؤل عما قد يحدث عندما تكون هذه القطاعات جميعها تحت سيطرة شخص لديه استعداد قوي للتدخل بقوة في السياسات الوطنية.
وفي هذا الصدد يطرح رئيس الوزراء الإسباني سانشيز حلولاً عملية، تتمثل في ثلاثة مطالب من الاتحاد الأوروبي: أولاً، إلزام المنصات بربط الحسابات بوثائق هوية رسمية مع احترام خصوصية المستخدمين، وثانياً، مراقبة خوارزميات عرض المحتوى للتأكد من قانونيتها، وثالثاً، تحميل المسؤولين التنفيذيين المسؤولية الشخصية عن أية مخالفات.
هذا هو النهج المطلوب، استخدام القانون لكبح السلوكيات الرقمية الضارة، وهو ما كان يُعرف سابقاً «بالحوكمة»، وقد لعبت أوروبا دور الريادة في هذا المجال بفضل قوانينها الرائدة لحماية الخصوصية، ثم واصلت ريادتها بتشريعات واسعة تشمل الأسواق الرقمية، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي.
ورغم تراجع شعبية هذا النهج التنظيمي مؤخراً، إلا أن الخبراء يرون أنه لا يزال صالحاً.
وقدمت الباحثة القانونية أنو برادفورد تحليلاً مهماً يوضح أن تأخر أوروبا في مجال الابتكار يعود بالأساس إلى عوامل هيكلية مثل تشتت السوق الأوروبية، وضعف التمويل المخاطر، وصرامة قوانين العمل، وليس بسبب القوانين المنظمة للمنتجات الرقمية.
ولهذا فإن خطة المفوضية الأوروبية الجديدة لتطبيق نظام قانوني موحد وميسر للشركات المبتكرة في جميع دول الاتحاد قد تمثل نقلة نوعية إذا تم تنفيذها بالشكل المناسب.
وبطبيعة الحال قد يؤدي فرض اللوائح التنظيمية إلى تكاليف إضافية، لكنه أيضاً يؤثر بشكل مباشر على نوعية التكنولوجيا، التي يتم تطويرها، فقد كشفت دراسة حديثة لجامعة أكسفورد أن قوانين حماية الخصوصية الأوروبية دفعت مطوري الذكاء الاصطناعي للتركيز على تقنيات تقلل استخدام البيانات، بدلاً من الاعتماد على تقنيات التعلم العميق، التي تستهلك كميات هائلة من البيانات.
وبينما كان هذا التوجه يُنظر إليه حتى وقت قريب على أنه نقطة ضعف في السباق العالمي للذكاء الاصطناعي فإن ظهور تقنية «ديب سيك» مؤخراً قد يغير هذه النظرة جذرياً.
ويؤكد الباحثون أن التقدم التكنولوجي لا يسير في مسار واحد، وأن الشركات الأوروبية نجحت في تجاوز التحديات الأولية، التي فرضتها قوانين الخصوصية، من خلال تطوير تقنيات مبتكرة تحترم خصوصية المستخدمين.
ومع ذلك فإن تحقيق اقتصاد رقمي يلبي طموحات أوروبا يتطلب من قادتها اتخاذ خطوتين إضافيتين.
تتمثل الخطوة الأولى في استعداد الاتحاد الأوروبي لمواجهة ردود فعل شركات التكنولوجيا العملاقة، والتي قد تتراوح بين إجراءات عقابية تفرضها إدارة الرئيس ترامب وبين سحب بعض الخدمات من السوق الأوروبية.
وتقدم تجربتا البرازيل في التعامل مع منصة «إكس»، والولايات المتحدة نفسها مع تطبيق «تيك توك» دروساً مهمة: فالحكومات قادرة على وقف منصات التواصل الاجتماعي دون أن يؤدي ذلك إلى كوارث.
لذا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى خطة للتعامل مع احتمال غياب بعض المنصات المثيرة للجدل، أما الخطوة الثانية فهي تطوير القدرات اللازمة للازدهار في غياب هذه المنصات.
وكشفت مصادر مطلعة عن تقرير مرتقب تقوده الخبيرة فرانشيسكا بريا لصالح مؤسسة «بيرتلسمان»، يطرح مشروعاً طموحاً يسمى «يوروستاك»، والذي يهدف إلى بناء منظومة تكنولوجية أوروبية متكاملة تغطي كل مستويات البنية التحتية الرقمية، بدءاً من المواد الخام والمنشآت المادية، وصولاً إلى الحوسبة السحابية وبرمجيات إنترنت الأشياء.
ويتطلب تحقيق هذا المشروع معالجة العقبات، التي تعيق تدفق الاستثمارات إلى القطاع التكنولوجي الأوروبي، وتحديث الأطر التنظيمية، لكن الأهم من ذلك كله هو بناء إجماع أوروبي حول إمكانية وجود نموذج رقمي مختلف - ليس مجرد نسخة من النموذج الأمريكي الحالي، الذي يسيطر عليه عدد محدود من رجال الأعمال المقربين من رئيس أمريكي لا يخفي عداءه لأوروبا.