علت مُحيّا إيلون ماسك ابتسامة عريضة خلال خطاب تنصيب دونالد ترامب عندما تعهد الرئيس الأمريكي بأن الأمريكيين «سيغرسون علم الولايات المتحدة على كوكب المريخ». واستعمار الكوكب الأحمر، والمساهمة في إطلاق «حضارة ترتاد الفضاء»، يظل أحد الأحلام التي راودت كثيراً ماسك، ودفعته إلى تأسيس «سبيس إكس»، لتصبح شركة الفضاء الأكثر نجاحاً في العالم.

كذلك، فإن ترامب ليس أول الرؤساء إعلاناً لطموح إنزال رواد فضاء على سطح المريخ، لكنه يتمتع بفرصة أفضل للنجاح مقارنة بسابقيه، بفضل الدعم الكبير من أبرز صناع الصواريخ على مستوى العالم وأثرى الأثرياء.

وقد يعتبر البعض إنفاق تريليون دولار من أجل تأسيس قاعدة على المريخ إهداراً بينما يحتاج كوكبنا إلى الكثير من الإصلاحات. لكن المقترح يحظى مع ذلك بشعبية مقارنة بالعديد من خطط ترامب الحماسية الأخرى. فقد توصل استطلاع أجرته «يو غوف» في عام 2023، إلى أن 57% من الأمريكيين يدعمون إرسال رواد فضاء إلى المريخ في مقابل اعتراض 19% فقط.

لقد أصبح ماسك شخصية مثيرة للجدل، لذلك، فإن تشجيعه لبرنامج المريخ يبدو لمنتقديه وكأنه مشروع عملاق لمجرد التباهي. ومع ذلك، فقد برهن سجله في كل من «تسلا» و«سبيس إكس» على قدرته الاستثنائية على تحقيق إنجازات تكنولوجية طموحة. وسيكون إنزال بشر على كوكب آخر أمراً ملهماً بشدة للكثيرين، ليس فقط في الولايات المتحدة وحدها، وإنما في بقية أنحاء العالم. ولكم أن تتذكروا الحماس الكبير للعلم والتكنولوجيا، خصوصاً في أوساط الشباب، بعد هبوط مركبة «أبوللو» على سطح القمر.

وتركز «ناسا»، في العمل المتعلق بمستقبل سفر البشر عبر الفضاء على إعادة رواد الفضاء إلى القمر من خلال برنامج «أرتميس» الذي دشنته إدارة ترامب الأولى في عام 2017. ومن المتوقع أن تهبط أول رحلة مأهولة على سطح القمر في عام 2027. وعلى النقيض، أعرب ماسك عن فلسفته في تغريدة نشرها على موقع «إكس»، قائلاً: «سنذهب رأساً إلى المريخ. القمر ليس إلا مجرد إلهاء».

وتستند سمعة ماسك الهندسية جزئياً، إلى عزمه على إزالة الخطوات غير الضرورية وشحذ همة الفرق بلا هوادة نحو تحقيق هدف نهائي. ومع ذلك، ربما يكون من الحكمة أن يتبنى نهجاً أقل تطرفاً.

فإن إلغاء الإدارة الجديدة لعناصر مهمة من برنامج «أرتميس»، مثل كبسولة «أورايون» الخاصة بالطاقم، سيكون إهداراً لقرابة 100 مليار دولار خصصتها «ناسا» وشركاء آخرون للبرنامج، مثل وكالة الفضاء الأوروبية. علاوة على ذلك، ستفقد البشرية عملية تعلم قيمة كانت لتجعل مهمات الوصول إلى المريخ أكثر قابلية للتحقق.

وحتى وإن حاول جاريد آيزاكمان، مساعد ماسك الذي رشحه ترامب لتولي وكالة «ناسا»، إعادة توجيه الموارد من القمر إلى المريخ، فقد يحول الكونغرس دون ذلك. ويتبنى الكثير من أعضاء كلا الحزبين نهجاً ملتزماً بالقمر أولاً، لا سيما أن التخلي عن البرنامج سيجعل مضمار القمر متاحاً للصين لكي تستغله. ومن الناحية المثالية، يمكن لماسك أن يسهم بخبراته والقوة الصاروخية التي تتمتع بها «سبيس إكس» لكي يجعل من القمر نقطة انطلاق ناجحة لهدفه.

وسيتحتم على رواد الفضاء الأوائل الذين سيسافرون إلى المريخ أن يخضعوا لعملية اختيار شديدة الصرامة، لأن الرحلة إلى الكوكب الأحمر التي ستستغرق تسعة أشهر على متن صاروخ «ستار شيب»، الذي تصنعه شركة ماسك، ستسفر عن ضغوط جمة على عقول وأجساد رواد الفضاء. وحتى مع وجود دروع واقية جيدة، فمن شأن الأشعة الكونية والتعرض المستمر للجاذبية المنخفضة أن يؤديا إلى تسريع عملية شيخوخة الأعضاء، والتي تتراوح بين الكليتين وحتى الدماغ. وقد تتأثر الصحة النفسية كثيراً جراء الانعزال لمدة مطولة مع رواد الفضاء الآخرين.

وكان ماسك قال قبل بضعة أعوام: «أود أن أموت على سطح المريخ، ولكن ليس بسبب عملية تحطم». وقد يسعد بعض المنتقدين رؤية الملياردير المثير للجدل وهو يغادر الكوكب على متن أولى الرحلات، لكن من غير الواضح ما إن كان يطيق المتطلبات النفسية والجسدية للمشاركة في الرحلة. وقد تكون لديه القدرة والثروة والعزيمة لتحقيق هذا الأمر لآخرين، وحسب وجهة نظره، فقد يمنح البشرية مستقبلاً خارج كوكب الأرض مع إلهام الابتكار والحماس على كوكب الأرض في الوقت ذاته.