اعتبر الاستحواذ بقيمة 69 مليار دولار على شركة برمجيات «بديلاً سيادياً» لخدمات الحوسبة السحابية لكبرى شركات التكنولوجيا

تيم برادشو

عندما استحوذت «برودكوم»، المجموعة التكنولوجية التي تبلغ قيمتها تريليون دولار، على شركة البرمجيات «في إم وير» عام 2023، كان بإمكان عملاء الأخيرة الاختيار بين آلاف المنتجات المختلفة لإدارة مراكز البيانات الخاصة بهم. لكن خلال العام التالي لإتمام الصفقة التي بلغت قيمتها 69 مليار دولار، قلصت «برودكوم» هذا العدد إلى خمسة منتجات فقط.

بحسب هوك تان، الرئيس التنفيذي لشركة «برودكوم»، كانت الخطة الأولية تقتصر على تقديم أربع باقات فقط من منتجات «في إم وير». إلا أن الشركة أضافت باقة خامسة بعد ردود فعل سلبية من بعض العملاء تجاه التغييرات التي أجرتها على نموذج ترخيص برامجها.

وقال تان: «كان أحد الالتزامات التي قطعناها يتمثل في أن نجعل في إم وير أسهل من حيث الاستخدام، وأن نجعل توافر المنتج أكثر بساطة». وتابع: «ربما كان تقليل عدد المنتجات إلى أربعة قراراً مبالغاً فيه، لكننا قطعاً لسنا بحاجة إلى 8000 منتج».

هذا النوع من المناورات هو الذي أكسب تان سمعةً في إتمام الصفقات بفعالية قاسية وتكامل عمليات الدمج، بينما يبحث عن الصفقة الكبيرة التالية لبرودكوم. فقد أخبر تان المستثمرين الشهر الماضي أن الصفقة ستوفر دفعةً «كبيرة» للأرباح تتجاوز توقعاته الأولية البالغة 8.5 مليارات دولار.

ويعمل تان الآن على تقديم «في إم وير» كبديل رئيسي للشركات التي لا تريد تسليم جميع بياناتها لمقدمي خدمات الحوسبة السحابية الأمريكية، خاصة في أوروبا، حيث يفرض التبني السريع للذكاء الاصطناعي إعادة التفكير في كيفية إدارة مراكز البيانات.

ويخفي نظام المحاكاة الافتراضية لدى «في إم وير» بداخله التعقيدات التي تتضمنها مختلف أجهزة الخوادم وعمليات التخزين والمفاتيح التي تشكل عمل أي مركز للبيانات، ما يسمح للشركات فعلياً بتشغيل مركز البيانات وكأنه منصة برمجية. ويرى تان أن هذا سيساعد العملاء على إنفاق قدر أقل من الأموال على شراء الأجهزة ويجعل بنيتهم التحتية أكثر مرونة وأماناً.

ومنذ أن اخترعت «أمازون ويب سيرفسز» أعمال الحوسبة السحابية الحديثة قبل أكثر من 20 عاماً، اضطرت الشركات إلى الموازنة بين راحة تعهيد عمليات تكنولوجيا المعلومات لديها إلى مقدم خدمة حوسبة سحابية كبير، وبين التحكم والملكية والتعقيدات المرتبطة بإدارة مراكز البيانات الخاصة بها.

وذهب تان إلى أن عنصر السيطرة صار أكثر أهمية في خضم تسابق الشركات في تقييم ونشر أدوات الذكاء الاصطناعي واعتمادها عقب النجاح الباهر الذي حقق نموذج «تشات جي بي تي» خلال العامين الماضيين. وقال: «الشيء الأساسي في الذكاء الاصطناعي هو استخدامك لبياناتك الخاصة، والتدريب عليها والاحتفاظ بها داخل منشآتك».

وأصبحت الحساسية تجاه حماية البيانات أكثر حدة في أوروبا، حيث تغذي القواعد الأكثر صرامة وسلسلة من التدخلات التنظيمية ضد شركات التكنولوجيا الكبرى مفهوم مراكز البيانات «السيادية». وهذا يعني تخزين بيانات العملاء أو الشركات في مركز بيانات إما من قبل الشركات نفسها أو من قبل مقدم خدمة سحابي محلي.

وقال تان إن «في إم وير» تمثل «بديلاً للسحابة العامة» للعملاء في أوروبا «بشكل خاص». وأضاف: «لم أفاجأ أننا واجهنا ضجة». وخلال معظم 2024، كان هذا الضجيج عالياً. فقد أمضت برودكوم معظم العام الماضي في مواجهة عاصفة من الانتقادات حول الكيفية التي تبيع بها برمجيات «في إم وير». كما ادعى بعض العملاء أن تحول برودكوم من الرسوم المدفوعة مقدماً لمرة واحدة، إلى نموذج الاشتراكات السنوية أدى لزيادة تكاليفهم مرات عدة.

وفي سبتمبر الماضي، رفعت شركة الاتصالات الأمريكية «إيه تي آند تي» دعوى قضائية اتهمت فيها «برودكوم» بـ «محاولة حمل إيه تي آند تي على سداد مبلغ مهول لقاء اشتراكات لا ترغب فيها الشركة ولا تحتاج إليها». رغم ذلك، توصلت الشركتان إلى تسوية بعد شهرين.

وكان من بين المحرّضين الرئيسيين على «برودكوم» في أوروبا مجموعة «كلاود إنفراستراكتشر سيرفيسير بروفايدرز إن يوروب» (CISPE)، التي تعد «أمازون» بين أعضائها إلى جانب عدد من اللاعبين الصغار. وفي أبريل الماضي، اتهمت «CISPE» شركة برودكوم بـ«زيادات هائلة وغير مبررة في الأسعار» وأنها بذلك «تهدد الجدوى الاقتصادية لكثير من خدمات الحوسبة السحابية التي يستخدمها العملاء في أوروبا»، حيث تلعب منتجات «في إم وير» دوراً حاسماً في تشغيل هذه الخدمات.

ورغم تقديرات شركة «فوريستر» لاستشارات تكنولوجيا المعلومات التي ذهبت إلى احتمالية تخلّي 20% من العملاء عن خدمات «في إم وير» عقب هذه التغييرات، إلا أن تان يصر على أن معدل دوران العملاء «لم يتغير كثيراً»، وقال: «لا تشتكي إلا الأقلية، ولا يعلم أحد ما ينوونه فعلاً».

وأضاف تان أن الشكاوى حيال الانتقال إلى نهج الاشتراكات إنما نبعت من «عملاء قصيري النظر، وهم يميلون إلى نسيان أنهم دفعوا مقابل رخصة البرمجيات قبل أعوام كثيرة مضت ولا يفكرون بشأن الإطفاء»، أي تكاليف هذه البرمجيات بمرور الوقت. وتابع «لذا، عاد العملاء بعد فترة، حينما هدأ الغبار الأولي للغضب، وتسنت لهم فرصة إدراك قيمة ما يحصلون عليه»، وأوضح: «نحن في حقيقة الأمر سعداء للغاية برؤية النتائج التي حصلنا عليها حتى الآن».

وتُعد «في إم وير» الحلقة الأخيرة في سلسلة من الصفقات التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في مجال البرمجيات التي أبرمها تان في الأعوام الأخيرة، بجانب استحواذه على كل من «سي إيه» و«سيمانتيك».

وتعود جذور «برودكوم» إلى مجال أشباه الموصلات ومعدات الشبكات، وتسبب حماس المستثمرين بشأن أعمالها لصناعة رقاقات الذكاء الاصطناعي المُخصصة لأمثال «غوغل» و«ميتا» في ارتفاع تقييم الشركة إلى أكثر من تريليون دولار لمرة الأولى في الشهر الماضي.

وأشار تان إلى أنه سينظر في إبرام مزيد من الصفقات، سواء في مجال الرقاقات أو البرمجيات، رغم حظر دونالد ترامب، استحواذ «برودكوم» العدائي على منافستها «كوالكوم» المتخصصة في صنع الرقاقات لقاء 142 مليار دولار عام 2017. وأعلن تان لاحقاً أنه سينقل مقر الشركة من سنغافورة إلى الولايات المتحدة بينما كان يقف جوار ترامب في المكتب البيضاوي.

ولفت تام إلى أن «الوقت ما زال مبكراً للغاية» لتحديد ما إذا كانت الفترة الثانية لترامب ستسهل إبرام الصفقات في الولايات المتحدة، مضيفاً أن «الولايات المتحدة مجرد جزء من المشهد، فنحن نعيش في سوق عالمية».