بيلايتا كلارك
هل يهم إذا كان رئيسك في العمل ثرياً أم لا؟ هذا سؤال كنت نادراً ما أفكر فيه على مرّ السنين، إلا أنه واجهني مؤخراً ودفعني للتفكير فيه، على الأرجح عندما أخبرني أصدقاء غير أثرياء عن سوء تفاهم غير متوقع، وقع لهم مع رؤسائهم الأكثر ثراء.
كانت هناك امرأة أسترالية استمع إليها مديرها الجديد، الذي بدا واضحاً عليه الذهول، وهي تشرح أنها يجب أن تغادر العمل في وقت محدد كل يوم لاصطحاب أطفالها من المدرسة، قبل أن يسألها: «لماذا لا توظفين مربية؟»، فأوضحت له، للأسف، أن ذلك سيكون صعباً نظراً للراتب الذي تدفعه شركته لها.
صديقة أخرى كانت لا تستطيع تحمل تكلفة إيجار منزل قريب من العمل فاختارت آخر يبعد أميالاً من المكتب، وفاجأت رئيسها الأكثر ثراء، الذي يعيش قرب العمل، عندما كشفت له عن المبلغ الذي وفرته من تذاكر القطار، خلال العمل من المنزل أثناء الجائحة، ثم كان هناك ذلك المدير التنفيذي، الذي دعا فريقه إلى منزله الواسع لحضور اجتماع صباحي، وأدخلهم إلى ما تبين أنه ليس غرفة الطعام ولا المطبخ، بل «غرفة الإفطار»، وهي مساحة مخصصة بالكامل لتناول الإفطار، وكانت أكبر من شقق معظم ضيوفه، الذين لم يسمعوا من قبل عن وجود مثل هذه الغرفة.
تذكرت كل هذا عندما صادفت بعض الأبحاث الدولية الحديثة، التي تساعد في تفسير سبب حدوث هذه اللحظات، ولماذا قد تصبح أكثر شيوعاً، ففي الدول المتقدمة عبر أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية أصبح الموظفون الأثرياء أكثر عزلة عن أولئك الأقل ثراء.
وداخل الصناعات والشركات المملوكة لأفراد كان هناك «انخفاض كبير في التفاعل بين الحاصلين على أعلى الأجور وأدناها»، كما يقول مؤلفو ورقة البحث «الانفصال الكبير»، التي نشرت أواخر العام الماضي، عن تركز الأثرياء في أماكن العمل.
ولنأخذ فرنسا كمثال، في عام 1994، كان نسبة الـ 1 % من الأعلى دخلاً يعملون في شركات يعمل فيها 9 % من زملائهم ممن هم في مجموعة الدخل نفسها. وبحلول عام 2019 تضاعفت هذه النسبة تقريباً إلى 16 %.
وفي هولندا في عام 2006 كان الـ 10 % من الموظفين من أصحاب الدخل المرتفع يعملون في أماكن يعمل فيها نحو 25 % من زملائهم ممن لديهم دخل مماثل.
وبحلول عام 2020 ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 30 %، وكلما كبرت شريحة أصحاب الدخل الأعلى قل احتمال اختلاطهم مع العمال الأقل أجراً.
هناك العديد من الأسباب وراء حدوث ذلك، والبداية كانت تراجع الوظائف الصناعية، فالحياة في المصانع تجمع بين العمال ذوي الياقات الزرقاء والمشرفين والمهندسين والمديرين والتنفيذيين، لكن الوضع مختلف داخل البنوك أو شركات التأمين أو مطوري البرمجيات، كما أن الاستعانة بمصادر خارجية أو نقل الوظائف مثل إدخال البيانات أو كشوف المرتبات إلى دول أخرى يعمق الفجوة، بإزالة أعداد كبيرة من العمال ذوي الدخل المنخفض من المكاتب.
ويؤدي ارتفاع مستوى الرقمنة، التي تقضي على الوظائف منخفضة الأجر، إلى تفاقم هذا الاتجاه، وهذا يسلط الضوء على سبب قد يؤدي إلى زيادة الفصل بين الطبقات الاقتصادية.
ويقول البروفيسور هليل سابانجي، الأستاذ في مدرسة فرانكفورت للتمويل والإدارة وأحد مؤلفي البحث، إن العمل على هذه الورقة البحثية بدأ منذ سنوات عديدة، وكان ذلك قبل ظهور «تشات جي بي تي»، وأنواع أخرى من الذكاء الاصطناعي المتقدم في مكان العمل. ويعتقد سابانجي أنه من المنطقي أن نتوقع أن يعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع الفصل الاقتصادي، الذي بدأته الرقمنة بالفعل في العمل.
وكل هذا قد تكون له عواقب عميقة، ويشك سابانجي وزملاؤه في أن انعزال النخبة في العمل قد ساعد بالفعل في تغذية الاستياء بين العمال الأقل ثراء، الذين يقرأون أو يسمعون عن حياة أصحاب الدخل المرتفع، لكنهم نادراً ما يرونهم أو يلتقون بهم. وهذا الوضع قد يزيد مشاعر وتجارب الشعور بالتخلف عن الركب، والتجاهل، وسوء الفهم، مضيفين أن هذا بدوره قد ساعد في تغذية «الشعبوية» وأشكال أخرى من الأفكار في أوروبا.
كان استقطاب الناخبين بين العواصم الغنية أو المدن الساحلية والمناطق الداخلية، التي تعاني من الصعوبات الاقتصادية سمة بارزة في سلسلة الانتخابات الأخيرة، بداية من تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016 إلى المعارك الرئاسية في الولايات المتحدة وفرنسا.
وفي عام 1988 كانت حصة جان ماري لوبان من الأصوات في منطقة باريس 15.6 %، وهي تقريباً النسبة نفسها التي حصل عليها في المناطق الأخرى (14.4 %)، كما كتب بعض مؤلفي الورقة في أبحاث سابقة.
بعد ثلاثين عاماً انخفضت نسبة التأييد لابنة زعيم اليمين الشعبوي، مارين لوبان، إلى 12.5 % في باريس، لكنها ارتفعت إلى 27 % في المناطق الأخرى، أي ما يقارب ضعف نسبة تصويت والدها.
بالطبع لم يكن هذا التغيير ناتجاً فقط عن اتساع الفجوة بين أصحاب الدخل الأعلى وبقية القوى العاملة، ولكن من السهل رؤية أن هذا الفصل قد يكون قد غذّى هذا التحول، وقد يكون على وشك تسريعه أكثر.
