ستيفاني ستايسي

تقوم الشركات البريطانية بعمليات إعادة شراء لأسهمها بمعدل أسرع حتى من الشركات الأمريكية، في ممارسة عرضتها لانتقادات واتهامات بأنها تقلل الاستثمار والابتكار، وجعلتها تواجه انتقادات من المشرعين في كلا البلدين.

ووفقاً لمنصة الاستثمار «إيه جيه بيل» التزمت شركات مؤشر «فوتسي 100» بإعادة شراء أسهم بقيمة 56.9 مليار جنيه استرليني على الأقل العام الماضي، بعد أن تعهدت بإعادة شراء أكثر من 50 مليار جنيه استرليني من أسهمها في عامي 2022 و2023.

وبحسب حسابات شركة إدارة الأصول «شرودرز» باستخدام مؤشرات «إم إس سي آي» فإن 44 % من الشركات الكبيرة في المملكة المتحدة قلصت عدد أسهمها بنسبة 1 % على الأقل في 2024، ما جعلها تتقدم على الولايات المتحدة للمرة الأولى بنسبة 39 %.

وقال أدريان جوسدن، مدير إدارة الدخل من الأسهم البريطانية في «جوبيتر أسيت مانجمنت» في لندن: «يبدو أننا ننفذ عمليات إعادة شراء الأسهم بكل قوة».

ويمثل هذه الاتجاه تحولاً في تفكير الشركات البريطانية، التي كانت تاريخياً تفضل توزيعات الأرباح كوسيلة لإعادة الأموال إلى المساهمين، ما جعل السوق البريطانية جذابة لمستثمري الدخل.

وفي نهاية أكتوبر التزمت شركة النفط العملاقة «شل» بإعادة شراء أسهم إضافية بقيمة 3.5 مليارات دولار، ليصل إجمالي ما أعادت شراءه العام الماضي إلى أكثر من 10 مليارات جنيه استرليني.

وفي يوليو أعلنت «إتش إس بي سي» عن إعادة شراء أسهم بقيمة 3 مليارات دولار وسط أرباح أفضل من المتوقع، وفي ديسمبر قالت شركة «سينتريكا» المالكة لـ«بريتيش غاز» إنها ستضيف 300 مليون جنيه استرليني إلى برنامج إعادة الشراء الحالي، ليصل إجمالي المشتريات المخطط لها إلى 1.5 مليار جنيه استرليني. وفي عملية إعادة الشراء تقوم الشركة بشراء أسهمها من السوق ثم إلغائها أو الاحتفاظ بها في خزينتها.

إذا ألغتها فإن ذلك يقلل عدد الأسهم المطروحة، وبالتالي يزيد ربحية السهم.

وعادة ما تقوم الإدارات التنفيذية بعمليات إعادة الشراء إذا اعتقدت أنه لا توجد عمليات استحواذ جذابة يمكن القيام بها، أو للإشارة إلى أن السهم مقوم بأقل من قيمته الحقيقية، كما أن عمليات إعادة الشراء تميل إلى أن تكون أكثر كفاءة من الناحية الضريبية مقارنة بتوزيعات الأرباح.

ووفقاً لأرقام «إيه جيه بيل» ارتفعت قيمة توزيعات الأرباح التي تدفعها شركات «فوتسي 100» بشكل مطرد طوال العقد الماضي، ولكنها ظلت مستقرة تقريباً منذ جائحة كورونا، حيث تفضل الشركات البريطانية بشكل متزايد مرونة عمليات إعادة الشراء لمرة واحدة. وقال ألفين تشين، باحث في كلية ستوكهولم للاقتصاد: «توزيعات الأرباح تعتبر التزاماً».

وأضاف أن خفض توزيعات الأرباح بشكل غير متوقع يعتبر أمراً سيئاً من قبل السوق، وحتى توزيعات الأرباح الخاصة لا توفر مزايا إعادة الشراء، لأنها لا ترسل نفس الإشارة إلى السوق بأن الشركة تعتقد أن أسهمها مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، وفقاً لتشين. وأفاد المستثمرون بأن ارتفاع عمليات إعادة الشراء في المملكة المتحدة قد يكون مرتبطاً بتقييمات السوق البريطانية المنخفضة نسبياً، والتي تأخرت في السنوات الأخيرة عن العديد من الأسواق الدولية.

وارتفع مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 5.7 % العام الماضي، مقارنة بارتفاع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 23.3 %. ويتداول المؤشر البريطاني عند نسبة سعر/أرباح متوقعة تبلغ 11.2 مرة، مقابل 21.4 مرة للمؤشر الأمريكي، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي».

وتوفر عمليات إعادة الشراء أيضاً طريقة للشركات البريطانية لدعم أسعار أسهمها، مما يساعد في مواجهة سنوات من خروج المستثمرين، لكن بعض المستثمرين يقولون إن عمليات إعادة الشراء توفر فقط دفعة قصيرة الأجل لمقاييس ربحية السهم المستخدمة في حساب رواتب الإدارة التنفيذية، بدلاً من تعزيز مستدام لعوائد المساهمين أو تحسين أداء الشركة التشغيلي.

ويرى الأكاديميون أن تقييم ما إذا كانت عمليات إعادة الشراء ستعزز قيمة المساهمين على المدى الطويل هو أمر معقد ومليء بالغموض.

على سبيل المثال يقولون إنه من غير الواضح ما إذا كان يمكن إنفاق الأموال بشكل أفضل على البحث والتطوير - مثل اختراع منتج جديد رائد - أو استحواذ على منافس، أو زيادة رواتب الموظفين أو جذب المواهب.

ورغم ذلك وجدت معظم الدراسات المتعمقة أن الشركات التي تعيد شراء أسهمها تفوقت في المتوسط على تلك التي لا تفعل ذلك، وتفوق مؤشر «إس آند بي 500 لإعادة الشراء»، وهو مؤشر لأكبر 100 سهم في مؤشر «إس آند بي 500» للشركات، التي تنفق أكبر نسبة من سيولتها في إعادة شراء أسهمها مقارنة بقيمتها السوقية، على مؤشر «إس آند بي 500» الأوسع، وذلك في 14 من أصل 20 عاماً، بما في ذلك عام 2024.

رغم ذلك كان من الصعب استنتاج السبب، وفقاً لأليس بونيمي، الأستاذة المساعدة في التمويل بجامعة أريزونا، والتي تساءلت: «هل تفوقت الشركات على السوق بسبب إعادة الشراء؟ أم أن الشركات التي لديها نقدية إضافية كانت جاهزة لاستخدامها في برنامج إعادة شراء هي التي تفوقت؟ لكن على الأقل لا يبدو أن عمليات إعادة الشراء تدمر قيمة المساهمين على المدى الطويل.

وقد وجد ألبرتو مانكوني، الأستاذ المساعد في التمويل بجامعة بوكوني في ميلانو، أن عمليات إعادة الشراء لا تضر بالمساهمين على المدى الطويل، ووجدت أبحاثه، التي قارنت العوائد الإجمالية لـ 9000 شركة بين عامي 1998 و2010 بعد إعلانات إعادة الشراء، أن عمليات إعادة الشراء كانت تتبعها عادة عوائد زائدة إيجابية على المدى الطويل، مع أكبر الفوائد التي تعود على «الأسهم الصغيرة والمهزومة والقيمة»، لكن بعض المشرعين والأكاديميين يقولون إنه بدلاً من محاولة تعزيز أسعار الأسهم، ينبغي على الشركات إنفاق الأموال الفائضة على الابتكار أو الاستثمار.

وتعرضت شركة تصنيع الطائرات «بوينج»، التي تكافح لتحسين أوضاعها المالية لانتقادات بسبب قيامها بنحو 44 مليار دولار من عمليات إعادة الشراء بين عامي 2013 و2019 بدلاً من استثمار الأموال في تحسين عملياتها.

ورفضت الشركة التعليق على الانتقادات. وقالت لينور بالادينو، الأستاذة المساعدة في الاقتصاد والسياسة العامة بجامعة ماساتشوستس في أمهيرست: «عمليات إعادة الشراء لها ضرر حقيقي يتمثل في تحويل الشركات بعيدا عن الاستثمار».

وقال جيرفيه ويليامز، رئيس قسم الأسهم في «بريمر ميتون إنفستورز»، إنه لا يلوم الشركات التي تعيد شراء أسهمها عندما تكون التقييمات منخفضة، ولكن هذا يعني أنها تستثمر أقل في المجتمع وفي التوظيف الماهر.

وقبل انتخابات الولايات المتحدة في نوفمبر اقترح فريق الرئيس جو بايدن زيادة الضريبة على عمليات إعادة الشراء أربعة أضعاف بعد تطبيقها في 2022 كجزء من الجهود لجعل الشركات الكبيرة تسهم بنصيبها العادل، ولم يقدم الرئيس المنتخب دونالد ترامب مثل هذه الوعود الانتخابية، رغم أنه قال في 2020 إنه لم يكن سعيداً أبداً لأن الشركات كانت تستخدم الأموال الفائضة في إعادة شراء أسهمها.

ودعا الديمقراطيون الليبراليون في المملكة المتحدة العام الماضي إلى فرض ضريبة بنسبة 4 % على عمليات إعادة الشراء، قائلين إنه بدلاً من إعادة استثمار أرباحها في المهارات أو المعدات أو التكنولوجيا النظيفة تقوم العديد من الشركات الكبيرة ببساطة بإعادة شراء أسهمها لتعزيز أسعار أسهمها.

ويرد آخرون بأنه لا يوجد دليل على أن الأموال التي تنفق على عمليات إعادة الشراء سيتم تحويلها إلى الاستثمار في البحث أو الاستحواذ أو رواتب الموظفين أو التوسع.

وبالنسبة لسوق لندن فإن ارتفاع عمليات إعادة الشراء يظهر أنها أصبحت أكثر عالمية، خاصة بالنظر إلى أن المستثمرين الأمريكيين يشعرون براحة أكبر مع عمليات إعادة الشراء، كما قال تشارلز هول، رئيس الأبحاث في الوسيط البريطاني بيل هانت.

ووفقاً للبيانات الرسمية فإن 57.7 % من قيمة سوق الأسهم البريطانية كانت مملوكة للمستثمرين الأجانب في عام 2022، وهو رقم قياسي، وقال هول: «يعكس ذلك حقيقة أن الشركات البريطانية، وفقاً للمعايير التاريخية، تتمتع بقيمة جيدة جداً. بالنظر إلى مكان التقييمات في المملكة المتحدة حالياً تبدو عمليات إعادة شراء الأسهم معقولة جداً».