بيليتا كلارك

تخيّل نفسك مسترخياً بجانب حوض سباحة في يوم صيفي دافئ، تغط في نوم هادئ. فجأة، تنقلب هذه اللحظة الهادئة رأساً على عقب عندما يبدأ أحدهم بسكب دلاء من الماء المثلج على وجهك، دلواً تلو الآخر، حتى تغرق تماماً، وترتعد من شدة البرد، ثم تستيقظ.

هذا الشعور يلخص تماماً تجربتي خلال عطلة رأس السنة الجديدة عندما قرأت كتاباً حديث الترجمة يطرح سؤالاً مصيرياً يشغل العالم اليوم: لماذا يبقى رد فعل العالم تجاه أزمة المناخ ضعيفاً وغير كافٍ، في حين تتزايد فيه الأدلة المقلقة على مخاطر الاحتباس الحراري بشكل واضح وملموس، مع أننا على دراية بالحلول اللازمة منذ عقود؟

يقدم عالم الاجتماع الألماني ينس بيكرت تحليلاً عميقاً للمشكلة، موضحاً أن الإجابة تكمن في تعارض جوهري بين متطلبات حماية كوكبنا وثلاثة أعمدة أساسية تقوم عليها حياتنا المعاصرة: النظام الرأسمالي الحديث، والنظام الديمقراطي الليبرالي، وأخيراً نمط حياتنا الاستهلاكي. هذه العوامل مجتمعة تجعل من شبه المستحيل اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية مستقبل الأرض.

يقدم البروفيسور بيكرت، الذي يشغل منصب مدير معهد ماكس بلانك لدراسات المجتمع، رسالة صادمة توقظ أولئك الذين استسلموا لحالة من الخدر الفكري، تماماً مثل المستلقين تحت أشعة الشمس في حالة نعاس عميق.

في كتابه الجديد «كيف بعنا مستقبلنا: الفشل في مكافحة تغير المناخ»، الذي صدر في ألمانيا العام الماضي وترجم أخيراً إلى الإنجليزية، يقول بيكرت: «الإجراءات الضرورية لم تتخذ حتى الآن، ولن تتخذ».

تفرض حجة بيكرت نفسها بقوة على النقاش العالمي، فرغم التصريحات اليومية من السياسيين والمستثمرين وكبار المديرين التنفيذيين حول رغبتهم في خفض الانبعاثات الكربونية، ودعم مشاريع الطاقة المتجددة، وضمان مستقبل مناخي آمن لأجيال المستقبل، ورغم التقدم الملموس الذي نشهده في كل مؤتمر سنوي للمناخ، إلا أن تنفيذ التغيير بالسرعة التي يحتاجها كوكبنا يصطدم بعقبات جوهرية متأصلة في طبيعة نظام الحياة الحديثة نفسه.

ويكشف بيكرت عن حلقة معقدة من العلاقات المتشابكة: فالحوافز المالية تجعل من «المنطقي تماماً» أن تتجاهل إدارات الشركات التداعيات المناخية المستقبلية سعياً وراء الربح. وفي المقابل، تجد الحكومات نفسها مضطرة للاعتماد على نجاح هذه الشركات، إذ تحتاج عائداتها الضريبية لتمويل الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، كما تحتاج النمو الاقتصادي لضمان فوزها في الانتخابات القادمة.

ورغم أن فكرة النمو الأخضر قد تبدو حلاً وسطاً، إلا أنها لا يمكن أن تحقق النتائج المطلوبة بالسرعة الكافية. أما اقتراحات خفض النمو الاقتصادي أو تبني سياسات تؤدي عمداً إلى خفض مستويات المعيشة، فهي مجرد «أوهام» لا يمكن تطبيقها. وحتى وجود المستهلكين الواعين بيئياً لا يغير كثيراً في المعادلة، إذ يظل تأثيرهم محدوداً للغاية.

ووقع تأكيد عملي لتحليل بيكرت بينما كنت أتأمل كتابه في ليلة رأس السنة، عندما قرر كل من «سيتي جروب» و«بنك أوف أمريكا» الانسحاب من تحالف المناخ العالمي للقطاع المصرفي، وذلك على خطى «غولدمان ساكس» و«ويلز فارغو» اللذين انسحبا في ديسمبر. تسارعت الأحداث بعدها، والأسبوع الماضي، كانت أكبر ستة بنوك في الولايات المتحدة قد انسحبت جميعها من التحالف المناخي في غضون شهر واحد فقط.

ورغم التصريحات المطمئنة، مثل تأكيد سيتي على «التزامها بتحقيق الحياد الكربوني الصفري»، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه البنوك ومساهميها يضعون أولوية قصوى للحفاظ على قدرتهم التنافسية في السوق الأمريكية، خصوصاً في ظل رئيس قادم لا يولي أي اهتمام للقضايا المناخية، وحلفاء جمهوريين يروجون لفكرة أن المشاركة في تحالفات الحياد الكربوني قد تشكل خرقاً لقوانين مكافحة الاحتكار.

من المحتمل أن يكون بيكرت مخطئاً في تحليله. فقد تزامن نشر كتابه مع تقرير مهم في صحيفة فاينانشال تايمز يكشف عن تحول تاريخي في سوق السيارات الصيني، حيث يتوقع أن تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية مبيعات سيارات الوقود التقليدية هذا العام للمرة الأولى. هذا التطور غير المسبوق، الذي يتجاوز كل التوقعات العالمية، قد يؤثر بشكل كبير على الطلب العالمي على النفط.

هذا المؤشر يفتح الباب أمام احتمال أن يتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً. لكن كلمة «قد» هنا هي المفتاح.

من المهم فهم أن بيكرت ليس من المشككين في حقيقة التغير المناخي، ولا يقصد أن يكون كتابه دعوة للاستسلام لليأس.

بل إنه يأمل أن تساعد تحليلاته في إظهار الحاجة الملحة للتفكير في كيفية التكيف مع الحياة على كوكب تزداد حرارته، وهي دعوة ازدادت أهميتها مع اندلاع الحرائق في منطقة لوس أنجليس الأسبوع الماضي.

ويشدد بيكرت في تحليله على وجود مبرر منطقي و«واجب أخلاقي» يحتم على المواطنين مواصلة النضال من أجل استجابة حقيقية وفعالة لأزمة المناخ، يمكنها التخفيف من وطأة الاحترار العالمي.

كما يؤكد الدور المحوري للشركات في هذا المجال. لكنه، في حديث هاتفي معه هذا الأسبوع، شدد على أن من غير المنطقي توقع أن تقدم الشركات طواعية على خفض انبعاثاتها وانبعاثات سلسلة التوريد الخاصة بها دون النظر إلى التكلفة.

وأوضح بيكرت أنه لن يحدث التغيير في سلوك الشركات إلا عندما تظهر نماذج أعمال تجعل هذا التغيير مربحاً لها.

ورغم أن الشركات ووكالات إعلاناتها كثيراً ما تحاول تصوير نفسها كجهات تتصرف بدافع المسؤولية والاهتمام، إلا أن الاعتراف بهذه الحقيقة الاقتصادية البسيطة سيساعدنا في التعامل بشكل أفضل مع التحديات المناخية المقبلة، أياً كانت.