هوارد ماركس - شريك مؤسس في شركة «أوكتري كابيتال مانجمنت» ومؤلف كتاب «إخضاع دورة السوق: أن تجعل الظروف في صالحك»

يشعر عديد من المستثمرين هذه الأيام بقلق بالغ إزاء فقاعات أسعار الأصول، ويتخوفون من تكرار دورات الازدهار والانهيار التي شهدناها في الماضي.

لذا، غالباً ما أُسأل عما إذا كانت هناك فقاعة محتملة تحيط بمجموعة صغيرة من الأسهم التي تسيطر على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، أو ما يعرف بشركات التكنولوجيا «العمالقة السبعة» التي هيمنت على المؤشر في السنوات الأخيرة، وحققت نسبة غير متكافئة من المكاسب.

يمكنك النظر إلى معايير التقييم لتميز وجود فقاعة، لكنني لطالما اعتقدت أن التشخيص النفسي، لفهم المستثمرين وردود أفعالهم الجماعية، أكثر فعالية. أبحث عن البهجة غير العقلانية للغاية، وهو الإعجاب الصريح بمجموعة شركات أو أصول ما يؤدي إلى خوف كبير من التخلف عن الركب إذا فشل المرء في المشاركة بالفقاعة بناءً على أنه «لا يوجد سعر مرتفع للغاية» بالنسبة لهذه الأسهم. وعند سماعي لهذه العبارة الأخيرة على وجه الخصوص، أعتبرها علامة أكيدة على أن هناك فقاعة تلوح في الأفق. باختصار، تتميز الفقاعات بـ«التفكير الفقاعي».

وإذا كان «التفكير الفقاعي» غير عقلاني، فماذا الذي يعطي المستثمرين رخصة بالابتعاد عن التفكير المنطقي؟ هناك إجابة بسيطة على هذا السؤال، وهو الحداثة. تعتمد هذه الظاهرة على عبارة أخرى قديمة عن الاستثمار، وهي «هذه المرة مختلفة». ترتبط الفقاعات على نحو ثابت بالتطورات الجديدة، بداية من الصيحة التي ذاعت في هولندا بثلاثينيات القرن السابع عشر، وكانت متعلقة بالزنبقات وقتما كانت البلاد حديثة عهد بها، وانتهاءً بأسهم الإنترنت والاتصالات في أواخر العقد الأخير من القرن الماضي. وبما أنه لا يوجد مؤشر تاريخي بشأن ماهية التقييم المناسب للأشياء الجديدة، فليس ثمة ما يربطه بالواقع.

والفقاعات التي شهدتها كانت كلها مرتبطة بابتكارات، وتمت المبالغة في تقدير الكثير منها أو لم تكن مفهومة على نحو تام. وعادة ما تكون جاذبية منتج جديد أو طريقة في ممارسة الأعمال واضحة، بيد أن الشيطان يكمن في التفاصيل الخفية. قد تنشأ شركة جديدة وتتفوق تماماً على سابقاتها، لكن كثيراً ما يخفق المستثمرون في فهم أنه حتى الشركات الوافدة الجديدة اللامعة يمكن أن يحل محلها آخرون. وهذا يعني أن الشركات المزعزعة للسوق قد تتزعزع، سواء أكان ذلك بسبب منافسين مهرة أم بفضل تقنيات أحدث.

وفي تسعينيات القرن الماضي، كان المستثمرون متأكدون من أن «الإنترنت سيغير العالم». بدا الأمر هكذا بكل تأكيد، وحفز هذا الافتراض طلباً مهولاً على كل شيء متصل بالإنترنت. وطرحت أسهم شركات التجارة الإلكترونية في البورصة بأسعار بدت مرتفعة، ثم تضاعفت قيمتها ثلاث مرات في أول أيام التداول. رغم ذلك، عادة ما يكون هناك قدر من الحقيقة وراء كل صيحة أو فقاعة، لكن الأمر يأخذ في التمادي. لقد تمكن الإنترنت حقاً من تغيير العالم، لكن غالبية الشركات التي نشأت في ظلال «الدوت كوم» التي حلقت أسهمها في أواخر التسعينيات انتهى بها الحال إلى أن تكون بلا قيمة.

لذا، يؤدي التفاؤل المفرط بشأن الأشياء الجديدة إلى أخطاء في التسعير. وبما أن المشاركين في الفقاعة ليس بإمكانهم تصور وجود أي جوانب سلبية للأمر، فإنهم يخلعون تقييمات مرتفعة على الشركات بافتراض أنها ستكون ناجحة. وفي واقع الأمر، لن ينجح إلا عدد ضئيل من هذه الشركات الناشئة، أو قد تنجو.

وتباع الأسهم عند مضاعفات أرباح العام التالي، ما يعكس توقعات بأن هذه الشركات ستمضي إلى تحقيق أرباح لأعوام عدة. وحينما تشتري سهماً، فإنك تشتري بذلك حصة في أرباح الشركة بكل عام مستقبلاً. وعند شراء سهم بسعر أعلى من متوسط مضاعف الأرباح، فإن المستثمرين يدفعون مقابل أرباح الشركات لعقود مديدة مستقبلاً، حتى بعد منحها فرصة لتحقيق نمو هائل.

وفي يومنا الحاضر، تتمتع الشركات الرائدة المدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» بأداء أفضل كثيراً مقارنة بأفضل الشركات فيما مضى، وبطرق عدة. وتحظى هذه الشركات بميزات تكنولوجية هائلة وحجم عملاق. لكن لا يمكن بلوغ هدف الاستمرارية بسهولة، لا سيما في المجالات عالية التكنولوجيا المعرضة للزعزعة. وفي خضم الفقاعات، يتعامل المستثمرون مع الشركات الرائدة وكأنهم متيقنون من قدرتها على الحفاظ على ريادتها طوال عقود. وفي حقيقة الأمر، تتمكن بعض الشركات من ذلك، والبعض الآخر لا يستطيع، لكن يبدو أن القاعدة هنا هي أن التغيير أكثر دواماً من الاستمرارية.

إذن، هل سوق الأسهم الأمريكية مفرطة الارتفاع؟ من النادر للغاية أن يحقق مؤشر «إس آند بي 500» عوائد بنسبة 20 % أو أكثر من ذلك لعامين على التوالي. لكن هذا هو ما حدث في العامين المنصرمين، إذ ارتفع المؤشر بنسبة 24.2 % في عام 2023 وصعد بواقع 23.3% في عام 2024. ويقودنا ذلك إلى عام 2025. ترى، ماذا يحمل لنا في جعبته؟

تشمل علامات الحذر البادية اليوم، التفاؤل الذي ساد الأسواق منذ نهاية عام 2022، والحماس المرتبط بالشيء الجديد وهو الذكاء الاصطناعي هذه المرة، وكذلك الافتراض واسع النطاق بأن الشركات السبع الكبار ستواصل نجاحاتها. ومن الناحية الأخرى، يسجل مكرر الربحية الآجل لمؤشر «إس آند بي 500» مستويات مرتفعة، لكنها ليست جنونية، وتبلغ 23.6 مرة. علاوة على ذلك، لا يتناهى إلى مسامعي إشارة الناس إلى أنه «لا من سعر مرتفع للغاية». والأسواق، رغم كونها مرتفعة الأسعار وقد تكون عالية التقييم، لكنها لا تبدو لي غير منطقية.