ياسمين كراجز - ميرسين أوجلو
شهدت المملكة المتحدة انتشاراً واسعاً لشركات تزويد خدمة الإنترنت البديل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، مدفوعة بوعد الفوز بحصة كبيرة من سوق النطاق العريض في البلاد، في ظل السباق لتوسيع استخدام الألياف الضوئية على نطاق واسع.
ورغم نجاح بعض هذه الشركات في ترك بصمتها وإعادة تشكيل السوق، إلا أن الغالبية فشلت في تحقيق أهدافها الأصلية، خاصة في ظل منافسة شركات عملاقة مثل «بي تي» و«فيرجين ميديا أو تو».
وأشار استطلاع استند إلى تقارير نشرتها شركات الإنترنت البديل وأجرته شركة «إندرز أناليسيس» البحثية، إلى بلوغ إجمالي خسائر هذه الشركات 1.3 مليار جنيه إسترليني في عام 2023. وحذر الاستطلاع من أن واقع الأمور لن يتحسن هذا العام. وأفاد جيمس بارفورد، مدير قسم الاتصالات لدى إندرز أناليسيس، بأن «عام 2024 ربما يكون الأسوأ بسبب تزايد تكاليف الفائدة».
وضخ المستثمرون المليارات في دعم العشرات من هذه الشركات المنافسة، لكنهم تضرروا من ارتفاع أسعار الفائدة، وازدياد التكاليف، وصعوبات التمويل، في وقت واجهت فيه كثير من الشركات صعوبة في إقناع العملاء بالتخلي عن الشركات الموجودة في السوق لصالحهم.
وقال أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة لإدارة الأصول وتستثمر في البنية التحتية الرقمية، إن شركته «كانت خائفة للغاية من حالة سوق شركات الإنترنت البديل في المملكة المتحدة»، لافتاً إلى أن «جزءاً كبيراً منهم غير مربح» بسبب محدودية إقبال العملاء على خدماتهم. وتوقع أن تكون هناك «كثير من حالات الإخفاق» وأن المقرضين «يتكبدون خسائر كبيرة إلى حد ما»، مع احتفاظ المستثمرين بهذه الشركات تفادياً لشطب الشركات.
ويخشى البعض موجة متوقعة من الدمج بالكامل مع مزودي الخدمات عن طريق الألياف الضوئية بتقييمات أقل من رؤوس الأموال المستثمرة.
وحذر فينسنت فينتو، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «دي تي سي بي» لإدارة الاستثمارات التي تستثمر في شركة «كوميونيتي فايبر» للإنترنت البديل ويقع مقرها في لندن، من أن المصارف في الأعوام القليلة الماضية «مولت متأخراً مشروعات ربما لم يكن ينبغي أن تمولها». وأوضح: «كان الاختلاف الرئيسي الذي شهدناه هو وجود أصول كانت تعمل على بناء مشروعات، وكانت هناك شركات تحولت إلى أعمال تجارية حقاً».
وذهب تقرير نشرته «إندرز أناليسيس» في أكتوبر الماضي، إلى أن الاختراق الأقل من المتوقع للسوق كان سبباً رئيساً للخسائر المجمعة. وأشارت تقديرات التقرير إلى أن معدل إقبال قدره 40% كان ضرورياً لتحقيق عوائد معقولة، أو بعبارة أخرى، اشتراك أربعة منازل أو شركات على الأقل من بين عشر في خدمات شركات الإنترنت البديل بمجرد إتاحة الخدمات في منازلهم أو مناطقهم. لكن التقرير رجح تحقيق غالبية شركات الإنترنت البديل ما يقل عن نصف ذلك خلال خمسة أعوام من تركيب البنية التحتية.
وتأتي شركة «كوميونيتي فايبر» من بين شركات الإنترنت البديل ذات أعلى معدلات الاختراق وكان لديها أكثر من 310,000 مشترك بحلول أكتوبر الماضي، من أصل 1.3 مليون منزل في المنطقة التي تغطيها خدمات الشركة. وتخطى عدد المناطق التي تغطيها خدمات «هايبر أوبتك» التي تتخذ من لندن مقراً لها، 1.73 مليون منزل بحلول سبتمبر الماضي، لكن عدد المشتركين فاق 340,000 بقليل.
واتفق أحد كبار المستثمرين في البنية التحتية ودعمت شركته إحدى شركات الإنترنت البديل في المملكة المتحدة، مع هذا، وذهب إلى أنه كانت هناك فترة «حمى الذهب» ولم تكن تحديات البناء والعمليات والاختراق ترقى للتقديرات المطلوبة.
وأضاف المستثمر أن بعض الشركات لم يكن من الواجب تمويلها، متوقعاً إفلاسها، لكن من المرجح شراء منافسين لأصول هذه الشركات بسعر أقل من تكلفة البناء.
وقال: «هناك مشكلة معنوية»، لكنه مع ذلك حافظ على توقعاته الإيجابية بشأن إقبال العملاء مستقبلاً على خدمات هذه الشركات. وتابع «لا شك في أن الخصائص التي اجتذبتنا في البداية إلى هذه الشركات ما زالت قائمة، لأن تكلفة بناء مثل هذه الأشياء عالية، لكن تشغيلها لا يتطلب تكاليف مرتفعة».
وأضاف المستثمر أن «تركيزاً كبيراً ينصب في الوقت الراهن داخل الصناعة على تحقيق نقطة التعادل في التدفقات النقدية، أي ضمان أن هذه الشركات بإمكانها تمويل نفسها ذاتياً دون الحاجة إلى الاعتماد على مصادر خارجية لرأس المال».
ولفت بين تيري، أحد كبار مديري الاستثمار لدى شركة «أمبر إنفراستراكتشر» لإدارة الاستثمارات، وهي المساهم الأكبر في شركة «توب» الواقعة على الساحل الجنوبي وتحمل أسهماً أقلية في شركة «كوميونيتي فايبر» ومستثمرة سابقة في مزودة الخدمات الريفية «إيرباند»، إلى أن قدرة المستثمرين على تخطي المعوقات ستحددها عوامل تشمل الأداء، والوصول إلى مزيد من رؤوس الأموال، والعوائد النسبية مقارنة باستثمارات البنية التحتية المنافسة. ورجح تيري أن تواصل شركات الإنترنت البديل منح الأولوية للتسويق على حساب التوسع في البنية التحتية خلال عام 2025، ضمن محاولاتها لوضع «مسار واضح نحو تحقيق الربح والتمويل الذاتي».
ويرى تيري أن الدمج «يفرض نفسه على تفكير المستثمرين بقوة وتجرى بالفعل كثير من المناقشات»، منوهاً بأن هناك نقاطاً شائكة تشمل التقييمات.
رغم ذلك، توجد أسباب تدعو إلى التفاؤل في القطاع، بينها إعلان شركة «أوبن ريتش» التابعة لـ«بي تي» خسائر لصالح المنافسين، وإدخال سياسة على مستوى الصناعة بتكليف من هيئة المنظمة للقطاع «أوفكوم»، وتدعى «التغيير بلمسة واحدة» بهدف تسهيل التبديل بين مزودي الخدمات.
من جانبه، قال ماكس غيلبرت، العضو المنتدب لأعمال التكنولوجيا الخاصة بمصرف «هوليهان لوكي» الاستثماري وقدمت استشارات في صفقات دمج واستحواذ تشمل بيع شركة «ليت فايبر» إلى «سيتي فايبر»، إن معنويات المستثمرين من غير المرجح أن تتحسن كثيراً على المدى القريب.
ومع ذلك، يعتقد غيلبرت أن القطاع «مر بفترة تصحيح» وأن «عدداً كبيراً» من شركات الإنترنت البديل من المتوقع أن تصل إلى مرحلة النقطة التعادل من حيث الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك في العام المقبل.
لكن يتبنى آخرون وجهة نظر متشائمة. وقال أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة استثمارية في البنية التحتية الرقمية إن الشركة رفضت 10 مقترحات مختلفة للاستثمار في شركات الإنترنت البديل في المملكة المتحدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بسبب ما وصفه بأنها أخطار في افتراضاتها بشأن التسعير والربحية والمنافسة.
وقال المسؤول إن الدمج لا مفر منه، لكن «لا يرغب أحد في خوض غمار الخسائر». ولفت إلى أن تقييم واحدة من شركات الإنترنت البديل التي فحصتها شركته خلال الأشهر الـ12 الماضية كانت أقل بمقدار النصف عن رؤوس الأموال المستثمرة فيها. وأشار سيزار برافو، مدير «هامبورج كوميرشال بنك» وهو مستثمر في الإنترنت البديل، إلى أن المصرف اتخذ خطوة في الابتعاد عن السوق لكن دون الحديث عن تفاصيل. ولفت، مع ذلك، إلى أن المصرف ينظر في صفقات محتملة وأن مؤشرات مهمة للأداء تؤخذ بعين الاعتبار على نحو متزايد في مناقشة الصفقات من البداية. وأضاف: «إنه قطاع ما زال يحمل في طياته أساسيات قوية، وستظل هناك شركات أو فرص استثمارية جذابة».
