ستيفاني ستيسي
نجحت شركة «كراود سترايك»، الرائدة في الأمن السيبراني، في استعادة 30 مليار دولار خسرتها من قيمتها السوقية جراء تحديث فاشل أدى إلى تعطل ملايين الأجهزة في يوليو الماضي، وقد تجاوزت قيمة أسهم الشركة مستوياتها قبل الحادثة التي وصفها رئيس لجنة الأمن الداخلي في الكونغرس الأمريكي بأنها «أكبر عطل تقني في التاريخ».
وأوضح الرئيس التنفيذي للشركة، جورج كورتز، أن الشركة استفادت من الأزمة وحولتها إلى ميزة تنافسية، مؤكداً أن الشركة لم تفقد ثقة عملائها رغم الأضرار الواسعة التي تسبب فيها العطل، والتي شملت تعطل رحلات الطيران وتأجيل مواعيد طبية وتوقف خدمات البث الإعلامي حول العالم.
وفي مقابلة أجريت معه بعد إعلان نتائج الشركة المالية الأخيرة، قال: «عملاؤنا متمسكون بنا. بل إن أحدهم شبه الموقف بالعظام المكسورة التي تلتئم فتصبح أقوى من قبل، مؤكداً أنهم لا يتوقعون تكرار مثل هذا العطل. في المقابل، قد تكون المخاطر أكبر مع المنافسين الذين لم يختبروا مثل هذه التجربة بعد».
وتعد «كراود سترايك»، التي يقع مقرها في ولاية تكساس، خط الدفاع الأول للعديد من الشركات العالمية الكبرى ضد الهجمات السيبرانية، وقد ضاعف المستوى الرفيع لعملاء الشركة من تداعيات العطل الذي حدث في 19 يوليو، عندما أدى تحديث روتيني لبرنامجها الأمني الرئيسي «فالكون» إلى ظهور ما يعرف بـ «الشاشة الزرقاء» على 8.5 ملايين جهاز يعمل بنظام ويندوز.
ورغم أن تقديرات شركات التأمين تشير إلى خسائر بمليارات الدولارات نتيجة الانقطاع، إلا أن «كراود سترايك» اكتفت بإجراء تخفيض طفيف لتوقعاتها المالية للربع الأخير من العام. بل إن الشركة نجحت في الاحتفاظ بـ 97% من عملائها خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر.
وجاءت النتائج المالية للشركة أفضل من توقعات المحللين، إذ حققت إيرادات بلغت مليار دولار في الربع المنتهي في سبتمبر، بزيادة 29% عن الفترة نفسها من 2023.
ويرجع المحللون هذا التعافي السريع إلى حنكة الشركة في إدارة الأزمة.
وتقول فاطمة بولاني، المحللة في بنك «سيتي»، إنه رغم الانتقادات التي وجهت للتصريح الأول لكورتز لخلوه من اعتذار صريح، إلا أن أسلوب تواصل الشركة ككل كان «درساً نموذجياً في كيفية تحمل المسؤولية عن الأخطاء».
إلا أن قصة النجاح هذه لا تخلو من منغصات. فشركة «دلتا إيرلاينز» لا تشارك بقية العملاء هذا التقييم، وذلك بعدما اضطرت لإلغاء آلاف الرحلات بسبب العطل التقني وتكبدها خسائر تجاوزت 500 مليون دولار.
وفي دعوى قضائية رفعتها في أكتوبر بولاية جورجيا، اتهمت شركة الطيران التي تتخذ من أتلانتا مقراً لها شركة الأمن السيبراني بالتسبب في «كارثة عالمية»، قائلة: إنها «اختصرت الطريق وتجاهلت إجراءات الاختبار والاعتماد التي كانت تتباهى بها، سعياً وراء مصالحها وأرباحها».
لكن «كراود سترايك» ردت بقوة على هذه الاتهامات، فقد نفى محاموها مسؤوليتها عن حجم الاضطراب الذي أصاب «دلتا»، مشيرين إلى أن عقودها تحدد سقفاً للمسؤولية «لا يتجاوز بضعة ملايين». ووصفت الشركة مزاعم «دلتا» بأنها «تستند إلى معلومات مغلوطة تم دحضها» وتعكس «جهلاً بآليات عمل الأمن السيبراني الحديث».
وأكد بيتر ويد، المحلل في مؤسسة «برنشتاين» للأبحاث المالية، أنه لا يوجد خطر حقيقي على «كراودسترايك» من فقدان معظم عملائها الكبار، وعزا ذلك إلى ما وصفه بـ «قوة الارتباط» بمنتجات الشركة. وأردف: «كلما توسعت في استخدام حلول كراود سترايك، صار من الصعب التخلي عنها»، لافتاً إلى أن الاختبار الحقيقي سيكون في الربع الأخير من العام، حيث يحل موعد تجديد كثير من العقود.
من جانبها، قالت المحللة فاطمة بولاني إن الشركة نجحت في استغلال أزمة الانقطاعات لتعزيز وجودها في السوق، حيث قدمت لعملائها الحاليين فترات تجريبية مجانية لمنتجات إضافية.
وفي أغسطس الماضي، أعلنت «كراود سترايك» عن برنامج حوافز بقيمة 60 مليون دولار لاسترضاء عملائها. وأطلقت الشركة على هذه الحوافز اسم «حزم الالتزام للعملاء»، وتضمنت تمديداً مجانياً لفترات الاشتراك وإضافة ميزات جديدة. ونجحت هذه الاستراتيجية في إقناع مزيد من العملاء بالتحول إلى نظام التسعير المرن الذي أطلقته الشركة في 2023 تحت اسم «فالكون فلكس».
وخلال الربع المنتهي في سبتمبر، تضاعفت تقريباً قيمة العقود المبرمة وفق هذا النظام لتصل إلى 1.3 مليار دولار. ويهدف هذا النظام إلى تشجيع العملاء على استخدام المزيد من الوحدات الخدمية التي تقدمها الشركة، والتي يزيد عددها على 20 وحدة.
ويمثل نجاح هذا البرنامج أهمية كبيرة لخطط نمو الشركة المستقبلية. وكما يقول المحلل بيتر ويد: «إذا كنت تريد تحقيق نمو أكبر، فعليك إيجاد منتجات جديدة لبيعها لعملائك الحاليين». وبحسب ألي ميلين، المحللة في مؤسسة «فورستر» للأبحاث، فإن «كراود سترايك» قد تستفيد من تزايد القناعة بأن نظام تشغيل «مايكروسوفت» يتحمل مسؤولية مماثلة، إن لم تكن أكبر، عن حجم تأثير العطل. ورفضت «مايكروسوفت» التعليق على الأمر.
وقد دفع الحادث الجهات الرقابية وقادة الأعمال إلى إعادة النظر في جدوى السماح لمزودي البرامج الخارجيين بالوصول إلى نواة نظام تشغيل ويندوز، فأي خلل في النواة، مثلما حدث مع تحديث «كراود سترايك» الخاطئ، يمكن أن يؤدي سريعاً إلى انهيار النظام بالكامل.
ويبرز هنا نموذج «آبل» المختلف، إذ لم تتأثر الشركة بالانقطاعات لأنها تمنع أي مزود خارجي من الوصول إلى نواة نظام تشغيل «ماك»، وتجبرهم على العمل في إطار «وضع المستخدم» محدود الصلاحيات. غير أن ميلين استدركت قائلة: «قد تكون النتيجة الأكبر لهذا الحادث هي تحول المستخدمين بعيداً عن مايكروسوفت وليس كراود سترايك».
